ممدوح المهيني
إعلامي وكاتب سعودي. مدير قناتي «العربية» و«الحدث» كتب في العديد من الصحف السعودية المحلية منها جريدة الرياض، ومجلة «المجلة» الصادرة في لندن. كما عمل مراسلاً لـ«الشرق الأوسط» في واشنطن. وهو خريج جامعة جورج ميسون بالولايات المتحدة.
TT

هل انتصرت إيران على دول الخليج؟

استمع إلى المقالة

عندما وصل الرئيس الأميركي رونالد ريغان إلى الحكم، كان الاتحاد السوفياتي في أوج عنفوانه، أو هكذا كان الاعتقاد السائد. نظام حديدي ثوري يملك ترسانة نووية هائلة، ولكن لماذا انهار بعد ذلك بسنوات؟

رأى ريغان ما فشل آخرون في رؤيته. الاتحاد السوفياتي، رغم مظهر القوة، كان يعاني من أزمة عميقة في الشرعية السياسية والأداء الاقتصادي. ورغم قوته العسكرية، كان النظام هشاً في داخله ويتآكل بسرعة.

وفي خطابه الشهير أمام البرلمان البريطاني عام 1982، قال ريغان مستشهداً بماركس الذي توقع حدوث أزمة ثورية كبرى في الغرب، لكن المفارقة أن هذه الأزمة لم تكن تحدث في الغرب الرأسمالي، بل في عقر دار الماركسية: الاتحاد السوفياتي.

يمكن قول شيء مشابه، على المستوى الإقليمي، عند المقارنة بين إيران ودول الخليج.

ظاهرياً، يبدو النظام الإيراني بصورة المنتصر القوي؛ فهو قادر على إيذاء الدول الخليجية بالصواريخ والمسيّرات، وتهديدها عبر الميليشيات، وضرب السفن والمنشآت النفطية، وإغلاق المطارات لساعات، وتهديد الملاحة. ولكن خلف هذه الصورة العسكرية، يعاني النظام الإيراني المدجج بالصواريخ الباليستية من أزمات سياسية واقتصادية عميقة.

سياسياً، واجه النظام قبل اندلاع الحرب موجة كبيرة من الاحتجاجات، كان آخرها الاحتجاجات في يناير (كانون الثاني) الماضي حيث قُتل الآلاف (النظام نفسه أقر بمقتل ما يزيد على 3000 شخص).

ومن المرجح أن تستمر أسباب الغضب الشعبي الإيراني بعد الحرب بدل أن تنحسر. وتتساءل قطاعات واسعة من الإيرانيين عن الفائدة من الآيديولوجيا الثورية التي جلبت إلى بلدهم العزلة والعقوبات والحصار والحروب، وعن الأموال التي أُنفقت طوال عقود على الحلفاء والوكلاء في المنطقة.

الهتاف الإيراني الشهير: «لا غزة ولا لبنان... روحي فداء لإيران»، الذي تردد في موجات احتجاجية مختلفة منذ سنوات، هو في جوهره محاكمة شعبية لأولويات طهران الإقليمية.

نظام الحكم في إيران يعاني من أزمة واضحة في الشرعية السياسية والثقة العامة، وهي أزمة تتحدث عنها حتى شخصيات من داخل المؤسسة السياسية والتيار الإصلاحي، وتطالب بإصلاحات عميقة وعاجلة.

اقتصادياً، تبدو الصورة أكثر صعوبة. عانى الاقتصاد الإيراني سنوات طويلة من العقوبات وسوء الإدارة والعزلة، ثم جاءت الحرب لتضاعف الضغوط عليه.

في المقابل، تحظى أنظمة الحكم في الخليج بدرجات مرتفعة من الاستقرار السياسي والتماسك الداخلي. والحرب، في الواقع، زادت من التفاف المجتمعات الخليجية حول دولها في مواجهة التهديد الخارجي.

ونجحت هذه الدول في تجنب الدخول المباشر في الحرب، والتقليل من أضرار الهجمات الإيرانية، ومنعت أن يتحول الصراع الخارجي إلى احتراب داخلي بين مكونات مجتمعاتها.

عملياً، يصعب المقارنة بين أزمة الشرعية التي يعانيها النظام الإيراني وبين حالة الاستقرار السياسي في الدول الخليجية. ومن يملك الشرعية السياسية والاستقرار الداخلي والرضا الشعبي، يملك القدرة على البقاء والاستمرار.

اقتصادياً، يمكن أن نلحظ الأمر ذاته. في الوقت الذي يواجه فيه الاقتصاد الإيراني اختناقاً متزايداً، تتنافس اقتصادات الخليج على جذب رؤوس الأموال والشركات والمواهب، وبناء بنية تحتية قوية، وتنويع مصادر الدخل.

لقد ربطت دول الخليج اقتصاداتها بالاقتصاد العالمي، وأصبحت مدنها مراكز للأعمال والسياحة والاستثمار والتكنولوجيا.

الهجمات الإيرانية ضربت المطارات، وأفزعت بعض السياح، وألحقت أضراراً بالسفن والمنشآت، لكنها في النهاية أضرار يمكن احتواؤها وإصلاحها. لم تتمكن من إيقاف الحركة الاقتصادية، أو تعطيل مشاريع التنمية على المدى الطويل.

الجاذبية البشرية بدورها أحد عناصر نجاح الدول وقوتها. لو سألت مواطناً من دولة عربية، أو حتى من إيران نفسها: أين تفضل الإقامة والعمل، في إيران أم في إحدى العواصم الخليجية؟ على الأرجح أن أعداداً كبيرة ستختار الخيار الثاني. وهذه ليست مسألة ثانوية. الجاذبية البشرية تعني جذب المزيد من العقول والمواهب ورؤوس الأموال والأفكار المبدعة... وإيران نفسها تملك مخزوناً هائلاً من العقول والمواهب، لكن عدداً كبيراً منها اختار الهجرة والبحث عن مستقبله في الخارج.

الفكرة الأساسية أن النظام الإيراني يبدو قوياً وعنيداً؛ لأنه يطلق الصواريخ والمسيّرات، ويخلق حالة من الانتشاء بين مناصريه، ولكنه في الوقت ذاته أفقَرَ شعبه، ودخل معه في صدامات متكررة، ويعاني من أزمة في الشرعية السياسية، وأزمة اقتصادية متفاقمة.

وفي المقابل، يبدو الخليج أضعف عندما يتلقى الهجمات، ولكنه يمتلك في الواقع عناصر القوة والنجاح على المدى الطويل: الاستقرار السياسي، والالتفاف الشعبي، والتنمية، والاندماج في الاقتصاد العالمي، والجاذبية البشرية.

تستطيع إيران أن تؤذي دول الخليج، وأن تعطّل مطاراتها لساعات، وأن تضرب منشآتها وسفنها، ولكن هذا لا يعني أنها منتصرة.

استراتيجياً، إيران تخسر أهم معركة: معركة بناء الدولة القادرة على الاستمرار والازدهار. ودول الخليج تضع نفسها في الطريق الصحيح حتى لو سقطت عليها عشرات المقذوفات والمسيّرات.