هو استثناء في مكانه وزمانه. إذ إنه يأخذ من المكان رمزيته التأسيسية، ويعطي الجغرافيا أهمية باتساع محطاتها الثلاث. أما الزمان، فهو ليس وليد لحظة التوقيع، بل إن تحديد التوقيت يختزل أزمنة متعددة، سابقة ولاحقة، تعيد تصويب عقارب الزمن في اتجاهها الصحيح؛ أي إنها تعيد تصحيح مسار مواقيت سابقة عطّلت المسار الطبيعي للتاريخ لعقود.
الاتفاقية تتجاوز الإعلان عن اتفاق دفاعي أو حلف ثلاثي، إذ تتكامل فيها ثلاثية الكثرة والوفرة والقدرة، وهي العناصر والمكونات والناظمة لولادة نظام إقليمي جديد يختلف عن الثوابت التقليدية التي حكمت الشرق الأوسط الكبير في العقود الماضية.
إنها إعلان انتقال المملكة السعودية وتركيا وباكستان من الموقع الجيوسياسي، بوصفها دول ارتكاز مكمِّلة للنظام الدولي، إلى موقع دول المركز الإقليمي، الشريكة في صناعة النظامين الإقليمي والدولي معاً. فالجغرافيا هنا ليست معبراً فحسب، بل مصدر قدرة، وحق في التحكّم في العوائد الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.
ذهبت عواصم دول المركز إلى تثبيت توازناتها للشرق الأوسط الجديد، في الوقت الذي تحاول فيه تل أبيب إخراج إيران من الثلاثية السابقة التي كانت تعتقد أنها قادرة على الهيمنة على المنطقة، أي منظومة الارتكاز السابقة: تركيا وإيران وإسرائيل. لكن تل أبيب، المتوترة من هذا الاتفاق، لم تزل تسعى إلى الضغط على أنقرة في سوريا، والتحريض على إسلام آباد بسبب قوتها النووية، والتركيز على الرياض نتيجة تمسّك المملكة برؤيتها للسلام، والأهم رفض العواصم الثلاث لشرق أوسط مفصَّل على قياس نتنياهو.
ومن هنا يمكن قراءة الموقف السعودي، ومعه التركي والباكستاني، بوصفها محاولة لاستعادة المبادرة، لا انتظاراً لما تقرره واشنطن أو تل أبيب أو طهران. فالرياض تتحرك من واشنطن إلى العواصم الإقليمية والدولية، وتعيد تقييم الأرباح والأضرار، مستفيدة من وزنها الاقتصادي والديني والجغرافي، ومن قدرتها على بناء علاقات متوازنة مع قوى متباينة.
وفي هذا السياق، لا يصح اختزال اتفاق مكة في مواجهة إيران، رغم أن الحرب والتوتر مع الجماعات المرتبطة بها شكّلا أحد دوافعه الأمنية المباشرة. فالقراءة الأوسع تشير إلى أن الرياض تحاول بناء بيئة إقليمية تستطيع فيها التعامل مع إيران بوصفها دولة مجاورة، لا بوصفها مشروع نفوذ دائم، وفي الوقت نفسه رفض قيام نظام إقليمي تكون فيه إسرائيل القوة المهيمنة، أو تكون فيه الولايات المتحدة الطرف الوحيد القادر على حفظ الاستقرار والأمن.
فعلياً، لا تقتصر مشتركات هذا الجوار الواسع على الدفاع والأمن والسياسة، بل تتجاوزها إلى المشتركات الثقافية والاجتماعية والدينية بين شعوبه، المنتشرة ضمن حيّز جغرافي واسع. هذا الامتداد شكّل، عبر التاريخ، واحداً من أقدم نماذج العيش المشترك؛ هو نموذج يحتاج اليوم إلى إعادة تعريف، وإعادة قراءة في ظروف نشأته، وتجربته الدينية والسياسية والحضارية، وانعكاساته على العلاقة بين أغلبياته وأقلياته الدينية والعرقية.
لذلك، فإن اتفاق مكة ليس نهاية مسار، بل بداية تعريف جديد للجوار؛ جوار سياسي ودفاعي، لكنه يقوم أيضاً على مشتركات فكرية وإنسانية وروحية، وقابل للتوسع بقدر ما تتوسع المصالح المشتركة.
وعليه، تكمن دلالة الرياض في اتفاق مكة، ليس في أنها وقّعت اتفاقاً دفاعياً مع أنقرة وإسلام آباد فحسب، بل في أنها تحاول تحويل الجوار من عبء جغرافي إلى مصدر قوة، ومن حيز جغرافي في النظام الدولي إلى أحد مراكز صناعة النظام الإقليمي الجديد.
