يتجه قطاع النفط والغاز في الجزء البريطاني من بحر الشمال إلى مرحلة أكثر حساسية مع تسارع تراجع الإنتاج، في وقت لم يتمكن فيه قطاع الطاقة المتجددة من تعويض الانكماش في الصناعة التقليدية بالسرعة الكافية. وتمتد تداعيات هذا التحول إلى الوظائف والاستثمارات وسلاسل الإمداد والإيرادات العامة، ولا سيما في شمال شرقي اسكوتلندا حيث يرتبط جزء كبير من النشاط الاقتصادي بالصناعة النفطية.
وتشير دراسة أُجريت خلال العام الماضي، ونُشرت في دورية «وورلد أويل» مؤخراً، إلى أن استمرار هبوط إنتاج بحر الشمال قد يعرّض نحو 115 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة للخطر، تشمل العاملين في المنصات البحرية وسلاسل الإمداد والخدمات المرتبطة بالصناعة على اليابسة. وتكتسب هذه التداعيات أهمية خاصة في اسكوتلندا، حيث يحتل قطاع النفط والغاز موقعاً مهماً في سوق العمل، خصوصاً في المناطق المحيطة بأبردين.
تكمن المشكلة الأساسية، بحسب الدراسة، في أن تراجع قطاع الطاقة التقليدية يحدث بوتيرة أسرع من بناء القدرات الجديدة في قطاع الطاقة الحديثة. وقد فقد القطاع بالفعل نحو 25 ألف وظيفة منذ الانتخابات البريطانية الأخيرة، تركز جزء كبير منها في شمال شرقي اسكوتلندا، حيث تعتمد أعداد كبيرة من العاملين على الشركات والخدمات المرتبطة بسلسلة الإمداد النفطية على اليابسة.
وتطرح هذه التطورات سؤالاً يتجاوز مستقبل إنتاج النفط والغاز نفسه: هل تستطيع عملية «التحول الطاقوي» توفير استثمارات وفرص عمل جديدة بالسرعة التي تفقد بها الصناعة التقليدية وظائفها ونشاطها الاقتصادي؟
فالمشكلة لا تتعلق فقط بعدد براميل النفط التي ينتجها بحر الشمال، وإنما بما يترتب على انكماش القطاع من آثار في العمالة والاستثمارات المحلية والمهارات المتراكمة والبنية الصناعية التي نشأت حول الصناعة النفطية على مدى عقود.
ويرى بعض المتخصصين الذين شاركوا في الدراسة أن السياسة المالية البريطانية يمكن أن تساعد في تغيير هذه الصورة، خصوصاً في ضوء النظام المالي الجديد المطبق على إنتاج النفط في الجزء البريطاني من بحر الشمال.
وتشير التقديرات إلى أن النظام الجديد يمكن أن يساعد على تحفيز استثمارات خاصة تصل إلى نحو 50 مليار جنيه إسترليني، بما قد ينعكس أيضاً على الإيرادات الضريبية، التي يمكن أن تزيد بأكثر من 13 مليار جنيه إسترليني خلال العقد المقبل.
وتدعو الدراسة إلى تحقيق توازن في حجم الاستثمارات الموجهة إلى الأنشطة البحرية، وتلك التي تدعم الاقتصاد والخدمات وسلاسل الإمداد على اليابسة. وتخلص الدراسة إلى ضرورة أن يأخذ مستقبل إنتاج بحر الشمال منذ الآن في الاعتبار دور الاستثمار والعمالة خلال العقود المقبلة، بدلاً من التركيز على معدلات الإنتاج الحالية فقط.
كما قدمت الدراسة مجموعة من التوصيات إلى الحكومة الاسكوتلندية، التي تضطلع بمسؤوليات رئيسية في إدارة القطاع البحري النفطي في اسكوتلندا، حيث تتركز الغالبية الساحقة من الحقول النفطية البحرية البريطانية.
ومن بين التوصيات المطالبة بتبني استراتيجية طاقة طويلة الأجل وواضحة.
وتشير تجربة بحر الشمال إلى أن «التحول الطاقوي» لا يقاس فقط بسرعة نمو مصادر الطاقة الجديدة، وإنما أيضاً بقدرة الاقتصادات المحلية على إدارة انكماش القطاعات التقليدية التي قامت حولها وظائف واستثمارات وسلاسل توريد على مدى عقود.
ولهذا، فإن التحدي بالنسبة إلى بريطانيا لا يتمثل فقط في كيفية خفض اعتمادها على النفط والغاز، بل في كيفية إدارة المرحلة الانتقالية بحيث لا يتحول تراجع الإنتاج إلى فجوة في الوظائف والاستثمارات والقدرات الصناعية قبل أن تكون البدائل قادرة على ملئها.
