إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدءَ العمليات العسكرية لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، لا ينبغي قراءته بوصفه مجردَ إعلان عن جولة جديدة من الحرب اليمنية، بل إنها مبادرة للتحرير الشامل وتوحيد البلاد والولوج إلى عالم النماء والازدهار وقطع دابر التخلف. فبعد سنوات طويلة من فرص التهدئة وسيل المفاوضات ومسارات السلام، يأتي القرار هذه المرة في سياق مختلف: الحوثيون لم يعودوا جماعة متمردة محاصَرة داخل جغرافيا يمنية محدودة، بل قوة مسلحة راكمت خلال سنوات الهدوء مزيداً من السلاح والموارد والنفوذ، ومدت تهديدَها إلى البحر الأحمر والممرات الدولية. ولهذا فإن هذه المرحلة ليست كغيرها؛ لأنَّ السؤال لم يعد: كيف نوقف الحرب؟ بل: كيف نمنع نتائجها من أن تتحول إلى واقع مستدام؟
الحديث اليوم عن استعادة صنعاء وبسط سلطة الحكومة مختلف تماماً عمَّا كان عليه قبل سنوات. فالمشكلة لم تعد مجردَ صراع على العاصمة أو السلطة، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل الدولة اليمنية نفسها، وبالأمن الإقليمي، وبأحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لقد تغيرت ميليشيا الحوثي، وتغيرت البيئة المحيطة بهم؛ فما بدا في السابق حركة تمرد مسلحة في منطقة محددة، تحوَّل إلى كيان ميليشياوي بأجندة إقليمية يتلبس قناع السلطة بمؤسسات أمنية وشبكات مالية، واقتصاد موازٍ، ودعم خارجي أسهم في تطوير قدراتها العسكرية بما في ذلك الصواريخ والمسيَّرات.
اليوم الخطر الأكبر لا يزال داخلَ اليمن نفسه. فالبلاد تتَّجه مجدداً نحو كارثة إنسانية في وقت تتراجع فيه قدرة المجتمع الدولي على تمويل عمليات الإغاثة. ملايين اليمنيين يعيشون عند حافة الجوع، فيما يؤدي كل تصعيد جديد إلى مزيد من النزوح والفقر وفقدان مصادر الرزق، رغم الدعم السعودي المستمر واللامحدود فإنَّ حالة الإفقار الحوثية أسهمت في دفع البلاد نحو الهاوية.
لسنوات طويلة، تحمَّلتِ السعودية ودول الخليج والمجتمع الدولي جزءاً كبيراً من تكلفة إنقاذ ملايين اليمنيين من الفقر والجوع، بما في ذلك السكان في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. وبينما كانت المساعدات الخارجية تموّل الغذاء والدواء والمستشفيات، استطاعت سلطة الميليشيا توجيه مواردها الذاتية إلى الحرب والتعبئة والتجنيد والأجهزة الأمنية. وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات الحرب اليمنية قسوةً: المجتمع الدولي بدعم من المملكة يدفع تكلفةَ إنقاذ المجتمع اليمني دون تمييز، بينما تحول الميليشيا كل مواردها نحو إذكاء الحرب وتجنيد الأطفال وقمع كل من تحت مناطقها، فالجبايات والإتاوات والضرائب واقتصاد الظل لا تذهب كلها إلى بناء مدرسة أو مستشفى أو توفير وظيفة، بل لإعادة الاستقطاب والتحشيد، وهنا المفارقة... بقاء الوضع بهذا الشكل يسارع في مفاقمة الفقر والمجاعة والأزمات، ويتم استغلاله من الميليشيا لإنتاج مزيد من المقاتلين الجدد ترغيباً وترهيباً.
هذه حرب لاستعادة اليمن من حالة الاختطاف، ولذا يجب التفريق بوضوح بين الحوثية والزيدية، فالمكوّن الزيدي في شمال اليمن مكوّن تاريخي أصيل، وجزء مع باقي المذاهب والتنويعات من هوية اليمن ونسيجه الاجتماعي والسياسي منذ قرون، لذلك فمشروع استعادة الدولة ليس ضد الزيديين، ولا على الشمال، ولا على جماعة اجتماعية أو مذهبية، بل هو إنقاذ لهم من الهيمنة الحوثية، وانتصار لمنطق الدولة وسلطتها على أوهام الميليشيا، وهو ما ينطبق أيضاً على كل من أُجبر على التعاون مع الحوثيين لأسباب شديدة التعقيد تعود إلى حالة الانقسام، فمن يريد العودة إلى جسد الدولة، من أي اتجاه كان سيجد الباب مفتوحاً للعودة لبناء وطن ويمن واحد يسع الجميع.
وهذا ينطبق أيضاً على القضية الجنوبية العادلة ذات الجذور التاريخية والسياسية التي لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها، لكن لا يمكن أن توضع على طاولة الحل قبل استعادة شرعية الدولة على كامل تراب اليمن، ولذلك استعادة الدولة لا تعني تجاهل الجنوب، بل ستكون فاتحة لخلق إطار جديد كلياً بدعم من المجتمع الدولي وتحت إشرافه، لمناقشة المستقبل اليمني برمته: شكل الدولة، وتوزيع السلطة والثروة، والحكم المحلي، والضمانات السياسية... إلخ.
المطلوب اليوم هو دعم الشرعية واستعادة الجمهورية ومؤسسات الدولة، واحتكار السلاح والقرار دون إلغاء أي مكون، ثم يجلس اليمنيون جميعاً بكل تنويعاتهم ليقرروا مستقبلَ دولتهم عبر السياسة، وليس من خلال فوهة البندقية.
قد تكون المعركة المقبلة شديدة التكلفة، إلا أنَّ ثمن تأجيلها أكبر وأشد تأثيراً على اليمن وعلى المنطقة، فالواقع اليمني يشي بحالة انسداد سياسي مع استفحال الوضع الإنساني وهو ما لا يمكن معه إعطاء الميليشيا مزيداً من الهدن والوقت لتكرس حالة الاختطاف والتهديد، بل المطلوب فرصة حقيقية وجادة ومدعومة من التحالف والمجتمع الدولي لاستعادة اليمن.
