فرناندو سواريش هو الاسم الذي انتقاه فرناندو بيسّوا من بين أسماء لشخصيات عدّة كان أنطقها في مدوناته، ليكون بطلَ كتابٍ لم يكن ينوي يوماً أن يكتبَه، ولم ينشر قبل مرور خمسين عاماً على وفاته ليتربَّع وحيداً على قمَّة الأدب البرتغالي ويرتقي إلى مصاف الإبداعات العالمية الخالدة.
خرج هذا الكتاب إلى النور من صندوق خشبي كبير أودعه بيسّوا عشرات الآلاف من النصوص القصيرة والخواطر التي كان يتركها على ما تيسّر له من قصاصات ورق صغيرة خلال تسكّعه في مقاهي لشبونة وحاناتها، منطوياً على ذاته القلقة والمتطيّرة والمعجونة بماء التناقضات الوجودية العميقة، في خصوبة نادرة من الأحلام المستحيلة، وجاهداً في سعيه إلى السبيل الذي يمكّنه من العيش في عالم ليس عالمه، ومدركاً أن لا عالم له غير الذي يعيش فيه.
مضطرباً كان، حتى في راحته، عندما كتب: «اجلس وراء طاولتي، مع أوراقي وأقلامي، وفجأة ينقضّ عليّ سرُّ هذا الكون. يحاصرني، يشلّني عن الحركة وأشعر بجزع شديد يتملكني، وأتمنى أن أتوارى عن الأنظار وأضرب رأسي عرض الحائط. طوبى لمن هو قادر على التفكير بعمق، وعلى التعايش مع هذه اللعنة».
كل عالم بيسّوا كان يدور حول الأنا، يسكبها في شخصيات متعددة ويدفعها نحو التأمل والتحليل النفساني، ثم يلبسها هويّات الشخصيات التي يعرف ذوو الألباب والفطنة وحدهم انتحالها أو تقمصها. هاجسه الأكبر كان سلطان القدر على حياة البشر، يقاربه عبر اغتراب ذاتي مضطرب، بلغة يتمازج فيها الأدب بالفلسفة وتترك أثراً عميقاً لدى القراء بفضل قدرته الفريدة على التعبير عن القلق الوجودي والحيرة التي تلامس جوهر النفس، بحيث تصبح نصوصه المرصّعة أشبه برحلة داخلية تكشف عن أعماق الوعي واللاوعي.
كان بيسّوا يحلم أن يعيش حياته كلها كرواية بطلها واحد متعدد الأصوات، يتفرّع عن ذاته شخصيات مستقلة في الأسلوب والمزاج والرؤيا والنظرة إلى الحياة، عارفاً أن الأدب، كلّه، ليس سوى جهد دؤوب وشاق لتكون حياتنا واقعية عبر ما كان يسمّيه «الكذبة الفنية». ومن أغرب خواطره التي تتكرر بأشكال مختلفة في كتاباته: «لست شيئاً أنا، ولن أكون شيئاً أبداً»، أو أن يقول: «بريء أنا من هذه الحياة، لا علاقة لي بها»، هو الذي ترك لنا الكتاب الأقرب إلى الحياة، والأشد التصاقاً بتلك الحال التي ينهل من قلقها واضطراباتها العميقة، أولئك الذين يعرفون أن الفؤاد، لو قُدّر له أن يفكّر، لتوقف عن الخفقان.
