شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

«ريوكان»... نافذة حيَّة على الثقافة اليابانية

استمع إلى المقالة

عندما تبزغ خيوط الشمس الأولى مع شهقات الفجر على صدر الطبيعة التي تتأهب لحدوث النهار، ويذوب الوقت في بحيرة السكون الأول، يفوح عطر الخشب والشاي مع النسائم المتهادية حول «الريوكان»، بيوت الضيافة التي تجسّد آلاف السنين من التقاليد وطقوس الحياة في اليابان.

«الريوكان» ليست مجرد فنادق ريفية كتلك التي تنتشر اليوم في أرجاء البلدان السياحية وتقدم للزائر خدمات تقليدية في محيط هادئ بأسعار معقولة، إنها صروح تلوذ بها النفوس الساعية إلى الطمأنينة في أصفى معانيها، وموائل يرقى فيها الصمت إلى مرتبة الموسيقى والحكايات التي تسرد تاريخ اليابان.

من بين ميزاتها الأساسية علاقتها الوثيقة بالطبيعة، إذ يقع معظمها في الأرياف النائية، أو بالقرب من البحر، وأحياناً في المدن الكبرى خارج الأحياء السكنية المكتظة، وهي واحات للتأمل بعيداً عن صخب الحياة. في الماضي كان يلجأ إليها حكماء اليابان للعزلة، والأدباء والشعراء طلباً للوحي والإلهام، والفنانون للانصهار مع الطبيعة التي تشكّل عماد الروائع الفنية اليابانية. أما اليوم، فهي مقصد طبقة النخبة من السياح التائقين للغوص في أعماق بلاد الشمس الطالعة، حيث تتلاقى تقاليد الزمن الغابر بتفاصيل العيش اليومي التي يحرص أهل اليابان على إتقانها بمنتهى الدقة، وتتداخل طقوس الضيافة العريقة مع الثقافة والطبيعة تحت غطاء رفيف من السكينة العذبة.

تحافظ «الريوكان» على الطراز المعماري التقليدي في اليابان، ولا يستخدم في بنائها سوى المواد الطبيعية من طين وخشب وقصب وأوراق الأرز والحصائر، لكل منها غرض محدد ورسالة أبعد منه وأعمق.

الهدف من الإقامة في هذه الفنادق يتجاوز الراحة الجسدية فحسب، إذ إنه منذ لحظة عبور الضيف عتبة بهو الاستقبال، يشعر أنه دخل عالماً يكاد لا يشبه في شيء ذلك الذي تدور فيه حياته عادة، وانتقل إلى مرتبة أعلى من الصفاء والتواصل مع عناصر الكون الأساسية، حيث يصبح التقشّف ضرباً من الترف، والاختزال الوجه الآخر للوفرة.

طقوس الطعام هي من ركائز هذه التجربة، والعشاء التقليدي (كايسكي) ذروتها، حيث تبدو الأطباق الصغيرة منمنمات مرسومة باليد، تحمل مذاق كل فصل وألوان كل منطقة، وتوازن بدقة مذهلة بين الشكل والنكهة في مهرجان من الانسجام والاحترام. ثم يأتي الشاي، مسك ختام هذه السيمفونية التي تتراقص على إيقاعها كل حركة في سكون وانسجام.

«الريوكان» دعوة إلى إطفاء محرك هذه الحياة الجامحة، وعبور إلى جوهر الأشياء الجميلة التي نسيناها، وتذكير بترف السكون والنقاء، وبجمال البساطة واحترام الذات والآخر، وهناء العيش تحت لحاف الأحلام.