جمهورية «حزب الله»

جمهورية «حزب الله»

الثلاثاء - 30 جمادى الأولى 1440 هـ - 05 فبراير 2019 مـ رقم العدد [14679]
نديم قطيش
إعلامي لبناني
لا داعي لأن تتوتر واشنطن بشأن تسلم «حزب الله» وزارة الصحة في الحكومة اللبنانية الجديدة. فالارتقاء بمستوى تمثيل «حزب الله» الوزاري، وتسلمه وزارة مهمة، تتمتع بموازنة كبيرة، ودعم أميركي، وبتأثير حيوي على كل الناس، أو دخوله إلى الحكومة لأول مرة بثلاثة وزراء بدل وزيرين كما جرت العادة، لا يعني الكثير. فليس لقلة الحيلة أو النفوذ، اكتفى «حزب الله» قبلاً بأن يقتصر تمثيله على وزارتين قلّما ارتقتا إلى مستوى وزارة الصحة. وليس لتطور كبير طرأ على قوته ونفوذه يفوز اليوم بما فاز به.

الحقيقة أن الحكومة اللبنانية ما وُلدت إلا حين قرر «حزب الله» أن أوان ولادتها قد حان. فوجه ما يلزم من رسائل إلى حليفه وزير الخارجية جبران باسيل، بأن يُسقط أوهامه حول الحصة الوزارية التي يراها مستحقة له ولحزبه ولرئيس الجمهورية، ودفع بالتسويف والمماطلة رئيس الحكومة سعد الحريري، إلى الليونة، بعد طول ممانعة، حيال تمثيل وزير سني مقرب من «حزب الله».

بهذا المعنى، تعكس تركيبة الحكومة التوازن الحقيقي للقوة في الحياة السياسية والوطنية اللبنانية، وما الملاحظات على هذا الاسم أو ذاك إلا مما يزجي اللبنانيون به الوقت. إنه توازن لا يحتاج إثباته إلى حصول «حزب الله» على ما حصل عليه من وزارات، وهو الممسك بالقرار السياسي والاستراتيجي للدولة اللبنانية، لا بقرار وزارة ذهبت إلى وزير من حصته.

يمكن للمرء أن يعزّي النفس بأن العنوان الاقتصادي الغالب على خطاب رئيس الحكومة، ينطوي في مكانٍ ما على إعادة إنتاج للعبة القديمة بين الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبين «حزب الله»، أي أن يكون الاقتصاد والإعمار مع ما يعنيه في السياسة والاجتماع والعلاقات بيد الأول، وتكون المقاومة بما تعنيه من خيارات سياسية وإقليمية بيد الثاني، ثم يتعايشان في كنف شراكة سياسية ما.

غير أن هذا مما يندرج في خانة الأماني أكثر منه في خانة الوقائع. فالتوازن الذي جرت في ظله الشراكة بين رفيق الحريري و«حزب الله»، كان مسنوداً بتفاهمات إقليمية كبرى، وما كانت إيران بهذا التحفز الإمبراطوري الذي صارته بعد حربي أفغانستان والعراق، ومشاركتها الحاسمة في الحربين إلى جانب المحافظين الجدد في واشنطن. لبنان اليوم فاقد لهذا التوازن ولا يتكئ إلا على ما تجود به واشنطن من محاولات تعديل موازين، أغلبها عبر عقوبات اقتصادية ومالية قاسية تهدد لبنان برمته بقدر ما تهدد «حزب الله» ومصالحه. أما «حزب الله» فما عاد زاهداً باللعبة الداخلية، وبات يخالط خطابَه الاستراتيجي والأمني والعسكري، خطابٌ آخر حول القضايا الداخلية وإدارة الدولة والاقتصاد ومحاربة الفساد، وغيرها من العناوين التي تنمّ عند دور داخلي يتهيأ له «حزب الله».

من هنا لا تبدو ثنائية الإعمار والمقاومة قابلة لإعادة الإحياء، ولا يبدو قابلاً لها أيضاً الاقتصاد ككناية عن المقاومة السياسية المضمرة، كما فهمه رفيق الحريري في وجه الوصاية السورية يومها. فقد أراد الحريري الأب من الاقتصاد أن ينوب عن السياسة في مواجهة الهيمنة السورية، عبر إعادة وضع لبنان على خريطة الحداثة في المنطقة راجياً أن يأكل ذلك بالضرورة من هيمنة نظام الأسد عليه. اقتصاد اليوم لا يعدو كونه محاولات متعبة لحماية ما بين أيدينا من الانهيار التام، ويفهمه البعض على أنه وعد بمصالح مالية كبرى لا سيما في ملف النفط وما يتفرع عنه من خدمات، في المقبل من السنين، رغم أن ذلك دونه شروط كثيرة وكبيرة!

والحقيقة أن لا شيء يسرّ «حزب الله» مثل هذه الرهانات، لا سيما حين تعني في السياسة التسليم بأنْ لا طاقة على مواجهته وتلزيم هذه المواجهة للخصوم الدوليين والإقليميين، حتى إذا شاء ربك أمراً كان مقضياً. ففي نعيم الهدوء الذي يفرزه التسليم بعدم القدرة على المواجهة، والقبول بشروط «حزب الله» كقدرٍ لا يُردّ، يلعب «حزب الله» على تناقضات الجميع وشهواتهم، ماضياً في مشروعه الخارجي والداخلي.

في إطلالته الأخيرة تحدث حسن نصر الله عن الطائف من باب طمأنة الشركاء في الوطن، وهي طمأنة لزوم ما لا يلزم. فالجميع يعلم أن الممارسة السياسية منذ اتفاق الدوحة عام 2008 أدخلت تعديلات عملانية على «الطائف» مع المحافظة على نصوصه، ليس آخرها ما ابتُكر حول آلية تشكيل الحكومة. الجديد أن «حزب الله» وجد ضالته في الوزير المسيحي جبران باسيل، الذي يوسّع كل يوم الثقوب في ثوب «الطائف»، من دون أن يرفع حدة التوتر السني الشيعي، الذي سيُثار لو أن «حزب الله» مارس ما يمارسه باسيل من تعالٍ على قواعد الشراكة الوطنية.

عقد باسيل مؤتمراً صحافياً في أعقاب تشكيل الحكومة، تحدث خلاله كرأس للسلطة التنفيذية في نظام رئاسي لا كرئيس حزب مشارك في ائتلاف. تعمّد أن يتحدث عن محاسبة الوزراء وأن يبدو كمن يرسم خريطة البيان الوزاري ومشروع الحكومة للسنوات المقبلة، متجاوزاً بشكل مهين كل قواعد الشراكة السياسية وفق النظام العام. «حزب الله» متمسك بـ«الطائف» ويرتاح إلى رؤية غيره يمعن في تمزيقه.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة