سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

برقٌ مخيف

استمع إلى المقالة

تغيَّر نمطُ الحياة في الأشهر الأخيرة تغيراً جذريّاً ما بين متوقعات العمر وطوارئ السن. اختصرت برامج الأسفار ثم ألغيتها. وكنت أول من يصل إلى المؤتمرات المقررة، وصرت أول من يعتذر. ومع الوقت أدرك الفريقان، رفاق المؤتمرات وأنا، أن الغياب خارج عن إرادتي. كان خوف من أن أصاب بوعكة والناس في مهرجان فرح وعمل، فلماذا نعكر عليهم المتعة والجدوى. إذن، لا سفر إلى بلاد الذكريات.

ثم تبين لي أن الأفضل حصر التنقلات المحلية أيضاً. واضطررت أن ألغي الواجبات، بما فيها الإلزامي والنبيل. ودائماً للسبب نفسه: الخوف من سقطة أو «زحطة» خارج المنزل.

وقد نجوت منها والحمد لله. لكن القدر استبدل بها سقطة داخل البيت وبين الأهل والأحباء. سألني طبيب الطوارئ: كيف حدث ما حدث؟ فقلت: انزلقت فانقلبت فرأيت برقاً شديداً فحاولت التمسك بأي شيء فلم يكن من الأشياء شيء سوى رحمة الله.

أخذ الطبيب يدقّق في صور الأشعة أمامه، ثم يتأمّلني، ثم قال: لا كسور والحمد لله، ولكن هناك رضوض... العياذ بالله، ولا إصابة في الرأس والحمد لله، ولكن الضلوع، سوف تعيش مع هذا الألم من عشرة أيام إلى أسبوعين.

غاب في الأيام الأخيرة، اثنان من كبار رجالات العائلات السياسية في لبنان: الشيخ ميشال الخوري، نجل أول رئيس استقلالي، والدكتور بهيج طبارة، وزير العدل الأكبر من حقيبته. في مثل هذه المناسبات، يتجمَّع اللبنانيون ليودعوا لبنان الذي لن يعود. يودعون في تواطؤ صامت وحزين أجيال المؤسسين. عزاء مهيب وسير جميلة وخلق عالٍ مديد مدى العمر. لولا سقطة الأضلاع ما أخلفت.