الحاصلُ وسيحصل أكثر في مستقبل هذا الزمن، ما لم يصنع الله أمراً لا نعلمه، هو هيمنة مشاهير السوشيال ميديا على كل معاني الحياة، وانقياد الجمهرة الوافرة من الناس خلفهم، كأنما يُساقون إلى الفناء وهم يضحكون.
«تسلبط» هؤلاء المشاهير على شؤون السياسة والتعليم والتربية والتاريخ والرياضة والعلوم... وكنتُ أظنُّ أن مجالاً مثل الطبّ سيظل بمنأى عن شهوات المشاهير، لكن حصل المتوقع، وقد دخلوا على الطب والنصائح والتوجيه.
هل يعني هذا أنه قبل السوشيال ميديا لم يكن هناك بعض النصّابين ولم يكن هناك بعض الضعفاء الذين يركضون خلف هؤلاء النصابين المتطببّين؟!
موجود، ولكن في زوايا مظلمة، وغالباً ما يتم وقفهم ومنعهم.
ما زال الجدل في مصر وخارجها، حتى في الصحافة الغربية، حول الطبيب المصري المُريب، صاحب نظام «الطيّبات» ومع ذلك انضاف في مصر جدلٌ آخر حول متطببّة أسترالية، وكأن مصر ناقصها «إبداعٌ» آتٍ من أستراليا!
أمس الخميس أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر قراراً عاجلاً، بإلزام جميع الوسائل الإعلامية بمنع ظهور سيدة أسترالية الجنسية روجت لبدعة «علاج السرطان بالكربونات».
القرار جاء استجابة لتوصية لجنة الشكاوى بالمجلس، وعقب تلقي مخاطبات رسمية من وزارة الصحة ونقابة أطباء مصر، التي كشفت عن انعدام صفة الطبيبة وعدم حصولها على ترخيص لممارسة المهنة.
وكانت النقابة العامة للأطباء في مصر قالت إن هذه السيّدة الأسترالية أونيل ورغم أنها تقدم نفسها خبيرة تغذية ومعالجة طبيعية، فإنها لا تحمل أي مؤهل في التغذية العلاجية، وقد اكتسبت شهرة واسعة عبر الإنترنت بسبب خطابها حول العلاجات الطبيعية، مضيفة أنها كانت تروج أن السرطان فِطرٌ وأن علاجه يكون باستخدام بيكربونات الصوديوم أو تعديل نظام التغذية.
الأمر ليس محصوراً في مصر، وليس خاصّاً بموضوع التطبّب، بل في كل المجالات، تجد من يمشي وهو مغلق العينين باتساع خلف سحَرة السوشيال ميديا هؤلاء، في «رقمنة» جديدة لمثال «راسبو تين»!
خطورة الأمر، أن النصب والاحتيال والإيهام الذي كان يُغوي بعض الناس قبل السوشيال ميديا، كان مُحاصراً بالتوعية الإعلامية والمجتمعية وبالملاحقة الرسمية القانونية؛ لذلك يُدفن الأمرُ في مهده، في غالب الأحيان - وليس في كُلّها - لكن اليوم، اضرب ما كان يجري في الماضي بمئات إن لم يكن آلاف الأضعاف.
مع الوقت، ستزيد القيود على مثل هذه الممارسات، فالقوانين تُوضع بعد حصول الظواهر الجديدة، وليس قبلها، وإلى حين ذاك، صان الله عقول الجميع وأرواحهم وصحّتهم.
