د. عبد الحق عزوزي
أكاديمي مغربي متخصص في العلوم السياسية والقانون
TT

حين يصبح الذكاء الاصطناعي سؤالاً حضارياً

استمع إلى المقالة

عُقد في الأيام القليلة الماضية المنتدى العالمي الرابع لـ«يونيسكو» حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، الذي احتضنته الرياض من 14 إلى 17 سبتمبر (أيلول) الحالي، ونظمته الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالشراكة مع منظمة «يونيسكو» والمركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (إيكاير)، وكان لي الشرف المشاركة فيه. وقد كان هذا الملتقى، بما جمعه من وزراء وصناع قرار وخبراء وأكاديميين وممثلين عن مؤسسات دولية، أكثر من مناسبة لتبادل الآراء؛ كان فضاءً للتفكير الجماعي في سؤال لم يعد تقنياً محضاً: كيف نضمن أن يبقى الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان، وألّا يتحول الإنسان نفسه مجرد هامش في منظومة تصنع قراراتها الخوارزميات؟

وحظيت باهتمام كبير الكلمة الافتتاحية للدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، رئيس «سدايا»؛ لأنها لامست، حقيقةً، جوهر الإشكال. فقد أكد أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا يُختزل في امتلاك التكنولوجيا، بل يتطلب منظومة متكاملة من المؤسسات والتشريعات والقدرات البشرية والتقنية والشراكات الدولية، مع ضرورة الانتقال بمبادئ «يونيسكو» الأخلاقية إلى سياسات وآليات عملية. وهذه النقلة من المبدأ إلى التطبيق هي تحديداً ما تحتاج إليه المرحلة المقبلة.

وفي مداخلتي ضمن الجلسة الختامية «الذكاء الاصطناعي من أجل الناس: نحو مستقبل مشترك»، انطلقتُ من زاوية الحوار بين الثقافات والتماسك الاجتماعي. فالمشكلة ليست فقط في قدرة الآلة على التفكير أو الإنتاج، وإنما أيضاً في نوع العالم الذي ستسهم هذه الآلة في تشكيله؛ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون جسراً بين اللغات والثقافات، وأن يوسع فرص التعليم والصحة والمعرفة، ولكنه قد يصبح، في المقابل، أداةً لتكريس الصور النمطية وتعميق الاستقطاب ونشر التضليل وخطاب الكراهية، إذا بُني على بيانات منحازة أو تُرك لمنطق الربح والمنافسة وحده.

وهذا بالضبط ما سعينا إلى التأكيد عليه قبل أشهر في «إعلان فاس» حول مستقبل الحضارة الإنسانية في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، الصادر عن لقاءات الجامعة الأورومتوسطية بفاس والذي نُظم بشراكة مع رابطة العالم الإسلامي يومي 27 و28 أبريل (نيسان) الماضي. فقد أكدنا أن الغاية النهائية من الذكاء الاصطناعي يجب أن تبقى رفاه الإنسان وصون كرامته، ودعونا إلى حوكمة دولية منسقة تقوم على الشفافية والمساءلة والأمن والثقة، وإلى تقليص الفجوات الرقمية، وإدماج العلوم الإنسانية والاجتماعية في تصميم التكنولوجيا، وتعزيز الحوار بين الثقافات والحضارات.

ولعل ما وقع خلال الأسبوعين الأخيرين يقدم لنا إشارات تستحق التأمل العميق؛ ففي 9 سبتمبر الحالي أعلن الباحث جاكوب كوكسون استقالته من شركة «أنثروبيك»، بعد تجربة بحثية شملت أيضاً «أوبن إيه آي»، محذراً من أن السباق المتسارع بين الشركات نحو أنظمة أكثر قدرة قد يتجاوز قدرتنا على فهمها وضبطها. وبعد أيام قليلة، ذهب الرئيس التنفيذي لـ«أنثروبيك»، أبعد من ذلك حين دعا إلى إبطاء وتيرة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً؛ حتى تتمكن آليات السلامة والاختبار والرقابة من اللحاق بسرعة تطور القدرات، واقترح، ضمن ما اقترح، تمكين جهات تقييم مستقلة من الوصول المستمر إلى الأنظمة المتقدمة للتحقق من إجراءات السلامة.

ولم يبق الأمر في دائرة التوقعات النظرية. ففي 16 سبتمبر الحالي، أعلنت «أوبن إيه آي» إطاراً جديداً للإبلاغ عن حالات «عدم المحاذاة» بين سلوك النماذج وما هو متوقع منها، ونشرت ست حالات لسلوكيات غير متوقعة أو مثيرة للقلق رُصدت أثناء التدريب أو التقييم، من بينها اتخاذ بعض النماذج إجراءات لم يؤذن لها بها ومحاولتها تجاوز بعض القيود. كما نشرت «أنثروبيك» خلال هذا الشهر تقريراً عن حالات إساءة استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في مجالات شملت الهجمات السيبرانية والمراقبة والتأثير والاحتيال، فضلاً عن مخاطر تتصل بالاستخدامات البيولوجية والأسلحة التقليدية.

لهذا؛ لا ينبغي أن نقع في ثنائية ساذجة بين الانبهار والخوف؛ المطلوب ليس وقف الابتكار، كما أنه ليس إطلاقه بلا ضوابط. المطلوب بناء ما يمكن أن نسميه «التقدم المسؤول»: تقدم يخضع للتدقيق المستقل، وتُعرف فيه حدود المسؤولية، وتُحمى فيه البيانات والحقوق، ويظل فيه القرار الإنساني حاضراً، وتكون للمجتمعات كلمة في التقنيات التي ستعيد تشكيل تعليمها واقتصادها وعلاقاتها الإنسانية.

لقد خرجتُ من «منتدى الرياض» أكثر اقتناعاً بأن مستقبل الذكاء الاصطناعي ليس قضية المهندسين والشركات وحدهم، بل قضية حضارية بامتياز؛ والسؤال الأكبر الذي ينبغي أن يرافقنا ليس: إلى أي حد ستصبح الآلة ذكية؟ بل إلى أي حد سنكون نحن حكماء في توجيه هذا الذكاء؟ ومن الرياض إلى فاس، تظل الرسالة واحدة: التكنولوجيا قد تمنح الإنسان قوة هائلة، ولكن القيم هي التي تحدد الوجهة، والحكمة هي التي تقرر إن كانت هذه القوة ستبني مستقبلاً مشتركاً للبشرية أم ستعمق انقساماتها.