د. عمرو الشوبكي
TT

كأس العالم بين العدالة والنفوذ

استمع إلى المقالة

هناك ثنائيات تتكرر تقريباً في كل كأس عالم، مثل ثنائية الكرة والسياسة، وثنائية العدالة والظلم، وهناك حديث لا يتوقف منذ ازدياد حضور المنتخبات العربية في البطولة العالمية، عن العنصرية والمؤامرات على المنتخبات العربية، وأحياناً الأفريقية.

وقد فتحت مباراة مصر والأرجنتين الباب أمام تكرار نظريات المؤامرة، وكيف وقف الاتحاد الدولي (فيفا) ضد الفريق المصري لصالح بطل العالم الأرجنتيني، وكأن هناك من جلس في الظلام قبل المباراة، وطالب الحكم بأن تخسر مصر.

إن هذا الفهم الخاطئ لما جرى مع مصر ويجري في كأس العالم يلغي الأسباب الفنية وراء أي هزيمة، حتى في ظل سوء التحكيم. وإن رفض نظريات المؤامرة وتسييس النفَس والهفوة، واعتبار المنطقة العربية مجرد «مستقبل للمظالم» ولانحياز المؤسسات الدولية من الأمم المتحدة إلى «فيفا»، لا يعني أن هذه المنظمات لا تخضع لنفوذ «الكبار» كما هي حال المنظمات الأممية، أو لا تتأثر بها كما هي حال المنظمات الرياضية والصحية وغيرها.

والواقع يقول إن المنظمات الدولية بشكل عام -وبخاصة المنظومة الرياضية واتحادات الكرة- تتأثر بالسياسة وبالتسويق و«البيزنس»، وهناك أقوياء في عالم الكرة قادرون على النفاذ إلى «فيفا» والتأثير فيه، وبالتالي تصبح القضية المطروحة هي قضية النفوذ وليست المؤامرة، وإن المجاملات لصالح الكبار تحدث؛ سواء في الاتحادات الدولية أو المحلية.

ولذا من الصعب أن يطالب -بثقة- الاتحاد الأفريقي أو أي اتحاد عربي «فيفا» بالحياد والعدالة الكاملة بين الدول، أو يعمل على اتخاذ إجراءات قوية ضد أي مظالم تحكيمية؛ لأن اتحادات كثيرة متَّهمة بمجاملة الأندية الكبرى في بلادها، أو المنتخبات القوية في قارتها، وبالتالي صارت قضية محاباة الأقوى ظاهرة عالمية تخص البطولات القارية والدوري المحلي، وليس كأس العالم فقط.

والحقيقة أن مشهد مباراة مصر والأرجنتين يقول إن الحكم أخطأ حين تجاهل عرقلة ارتكبها لاعب المنتخب الأرجنتيني، ولم يعد لتقنية «الفار» ما أدى إلى هجمة مرتدة أسفرت عن هدف الفوز للأرجنتين، كما أن المدرب المصري أخطأ بإجراء ثلاثة تغييرات قبل نهاية المباراة بربع ساعة، أعقبها تلقِّي مصر ثلاثة أهداف.

وعقب انتهاء المباراة، اكتسحت مواقع التواصل الاجتماعي اتهامات لحكم المباراة بالتآمر، وأن هناك خطة وضعها الاتحاد الدولي لإضاعة فرصة التأهل للمرة الأولى في تاريخ مصر لدور الثمانية، بعد أن رفع مدربها الوطني علم فلسطين، و«عوقب» بعدم احتساب ضربة جزاء، والإقصاء من البطولة.

والحقيقة أن الفرق بين التآمر والنفوذ كبير، فمع الأسف الشديد، تخضع منظمات رياضية كثيرة لنفوذ المنتخبات الكبرى، واتُّهمت في كثير من الحالات بالفساد والمجاملات والحرص على التسويق أكثر من الحرص على العدالة، وهو أمر جاء نتيجة عمل جماعات ضغط، وتأثر الاتحادات الدولية بشركات رياضية كبرى من مصلحتها أن تستمر في كأس العالم المنتخبات التي ترعاها.

يقيناً، المنظومة الرياضية الدولية فيها ثغرات كثيرة، ولكنها أيضاً تتسم بقدر من المرونة وتعرف المحاسبة؛ لأنها تتأثر بالنقد، وتقبل وافدين جدداً قادرين على التأثير فيها إذا أحسنوا تقديم أوراق قوَّتهم وأدوات ضغطهم، مثلما فعلت قطر منذ أعوام عدة، ونجحت في انتزاع تنظيم كأس العالم من فم الكبار. كما أن الأرجنتين بقيادة ميسي، أو البرازيل، في فترات طويلة، نجحتا في أن تنازعا الدول الأوروبية في التأثير على المنظمة الدولية؛ ليس بترديد نظريات المؤامرة وأنهم ضحايا الاستعمار الغربي، وإنما بخلق منظومة احتراف قوية ولاعبين محترفين في أهم الدوريات الأوروبية، لم يتخلَّوا عن انتمائهم لبلدانهم الأصلية، حتى أصبحوا من الكبار في العالم.

لا أحد ينكر أن السياسة حاضرة، ولا أن المنظومة الرياضية الدولية تتأثر بالأقوياء، بصرف النظر عن عرقهم ودينهم وثقافتهم. أما القول إن مصر هُزمت من الأرجنتين نتيجة مؤامرة دولية وتحكيمية لأنها دولة عربية فهو خطأ فادح؛ لأنك إذا قررت أن ترفع عَلَم فلسطين تضامناً مع حقها المسلوب، فعليك أن تتوقع أن يرفع آخرون عَلَم إسرائيل، ويجب ألا تقابل ذلك بالسباب؛ لأنك في محفل رياضي دولي، ولستَ في مؤتمر سياسي محلي للتضامن مع الشعب الفلسطيني.

ربما يكون المغرب أقرب بلد عربي لدخول «نادي الكبار»، وقادراً على التأثير في المنظومة الرياضية الدولية؛ لأنه لا يعيش على نظرية المؤامرة، حتى لو رددها بعض مشجعيه، ولديه منظومة احتراف حديثة وكثير من اللاعبين المحترفين في الدوريات العالمية، كما أنه يعتبر نقد أداء المنتخب ومدربيه غير نقد البلد.

إن العمل على خلق النفوذ والتأثير لا يلغي الإيمان بالعدالة؛ لأن الأخيرة قادرة على «تهذيب» هذا التأثير، ولا تجعله يأتي على أنقاض العدالة، إنما يُبنى بالتنظيم والجهد وتصحيح الأخطاء، وليس باستسهال شماعة المؤامرة.