مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

هالاند وابن لعبون!

استمع إلى المقالة

اللاعب النرويجي الأشهر، ربما على مدار تاريخ النرويج، هو الشابُّ الهدّاف الضخم إيرلنغ هالاند الذي نجح بأن وصل بفريق وطنه، إلى نقطة لم يصل إليها المنتخب النرويجي من قبل... ونافس على لقب الحذاء الذهبي، لكن ليس عن هالاند اللاعب الـ«سوبر ستار» نتحدّث، بل عن «الظاهرة» الثقافية والاتصالاتية التي جسّدها الشابّ ذو الـ25 عاماً.

في تقرير لـ«بي بي سي»، وُصف هذا اللاعب الرهيب، بالظاهرة الثقافية، وإن فضول الناس العاديين، حتى من خارج المشجعين التقليديين لكرة القدم، زاد تجاهه، خاصة لدى النساء اللواتي لاعلاقة لهن بكرة القدم - عادة - فضّلن متابعته، وطبعاً جيل «زد».

ارتفعت عمليات البحث عن اسم هالاند على «تيك توك» في بريطانيا بأكثر من 300 في المائة خلال أسبوع واحد، ليصبح اللاعب الأكثر بحثاً خلال تلك الفترة من البطولة.

لكن السبب المهم، ليس فقط تفوّقه في ميدان اللعب، و«ستايله» الخاص، بل عمله ونشاطه خارج كرة القدم... فحضوره على الإنترنت أقرب إلى شخص عادي منه إلى نجم عالمي يخضع كل ظهور له لحسابات العلاقات العامة. كما لاحظ التقرير.

يسخر من نفسه، ويعيد ترويج المقاطع الهزلية عنه، وعندما انتشر مقطع فيديو شاهده عشرات الملايين يشبّه تسريحة شعره ببصلة خضراء، لم يغضب أو يطلب حذفه، بل رد بميم شهيرة لصورة كلب ينظر جانباً في تعليق ساخر.

هذا النوع من السخرية من النفس - كما نبّه تقرير «بي بي سي» - جعل حضوره الرقمي يبدو أقرب إلى لغة أبناء الجيل «زد» الذين ينتمي إليهم، والذين يفضلون السخرية من الذات والتفاعل مع النكات، بدلاً من محاولة السيطرة على صورة عامة جامدة.

شعرة صغيرة فارقة بين العفوية الحقيقية والعفوية المُدعّاة، بين الإنسان العادي والإنسان المصنوع، بين الصورة الصادقة والصورة المتصنّعة.

بعض أصحاب النفوذ أو من يريد أن يكون منهم، ينفق كثيراً على صناعة الصورة، ومحاولة إثبات الكمال أو العفوية، وهناك شركات «تاكل عيش» من خلف صناعة الصورة هذه.

ومن ذلك ادعاء العفوية في بيزنس صناعة الصورة، كأن يذهب وزير أو شهيرة أو غني إلى محل حلاقة ويجلس على كرسي عادي كأنَّه يتصفَّح هاتفه، وهناك من صوّره بالصدفة، أو هكذا يُراد لك أن تقتنع، ويقولون عن هذا النمط من الصور «صوّرني وكأنني لا أدري»!

البحث عن الصدق والعفوية والتلقائية في عالمٍ غلب عليه الزيف وتصنيع الصور، وابتكار الشخصيات وخلق «الكاركتر» هو البحث الأكثر إلحاحاً.

قال محمد بن لعبون الشاعر النجدي العظيم، الذي تُوفي قبل قرنين من الزمان:

الصدق يبقى والتصنّف جهالة...