د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

السودان... كيف السبيل لإنهاء هذا الدمار

استمع إلى المقالة

السودان، ثالث أكبر دولة عربية من حيث المساحة بعد الجزائر والمملكة العربية السعودية وثالث أكبر دولة أفريقية بعد انفصال جنوب السودان في عام 2011، وذو موقع استراتيجي على البحر الأحمر وأهمية بالغة في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، يشهد حالياً نزاعاً وحرباً داخلية منذ الخامس عشر من أبريل (نيسان) 2023 بين القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع»، تعود أسبابها إلى صراع على السلطة والسيطرة العسكرية والسياسية. تركّزت شرارتها الأولى في العاصمة الخرطوم (ولاية الخرطوم).

أدّت الحرب إلى تغييرات جذرية في الخريطة العسكرية، وتحوّل الصراع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد. كما تسبّبت بشكل مباشر في انهيار المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، حتى وصلت الصراعات إلى شلل تام في الإنتاج، وتضخّم مفرط، وتدهور حاد في العملات، وانهيار الخدمات الأساسية، فضلاً عن استنزاف القدرات الدفاعية وتفكّك النسيج المجتمعي.

تسبّبت هذه الحرب في تفاقم الوضع الإنساني، وفي أكبر موجات نزوح داخلية شملت 9 ملايين شخص، وأجبرتهم على ترك منازلهم داخل الولايات السودانية، وإلى فرار نحو 4.5 مليون شخص إلى دول الجوار، وفقاً لتقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. كما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية وتقارير أخرى إلى أن حصيلة قتلى الحرب بلغت نحو عشرات الآلاف (كما تشير بعض التقديرات إلى ما يزيد على 150 ألف قتيل). كذلك تشير الإحصاءات الرسمية والتقارير الأممية إلى أن عدد الجرحى والمصابين قد تجاوز 44 ألفاً، لكن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير.

أنتجت الحرب في السودان كارثة إنسانية واجتماعية غير مسبوقة، تسبّبت في انهيار شبه تام للقطاع الصحي وخروج معظم المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، بسبب الدمار ونقص حاد في الأدوية، نتيجة لتوقف معظم مصانع الإنتاج المحلي، وتوقّف العملية التعليمية بسبب خروج الغالبية العظمى من الأطفال من المنظومة التعليمية، وتحويل الكثير من المدارس إلى ملاجئ للنازحين، وتوقف الجامعات، ودفع الأطفال إلى سوق العمل القسري وإلى التجنيد، فضلاً عن ارتفاع معدّل الفقر، ليشمل 70 في المائة من السكان، وانتشار البطالة التي طالت نحو 80 في المائة في مناطق النزاع.

تلعب المرأة السودانية دوراً محورياً في الاقتصاد، وتتحمّل أعباء اقتصادية مضاعفة جرّاء الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023. وفي ظلّ انهيار الاقتصاد الرسمي يبرز دور المرأة بصفتها ركيزة أساسية من خلال قيادة «اقتصاد ظلّ» (الاقتصاد غير الرسمي)، حيث أصبحت النساء العمود الفقري في الأسواق الشعبيّة والمطابخ الجماعيّة وتجارة السلع الأساسيّة، مما يُظهر دورهنّ صانعات استقرار في خضمّ النزاع الشرس. ومع تزايد أعداد القتلى والمصابين والمفقودين من الرجال، اضطرّت النساء إلى تحمُّل المسؤولية الكاملة لإعالة أسرهنّ والعمل في قطاعات غير رسميّة شاقّة ومحفوفة بالمخاطر، على الرغم من أنهن يتعرّضن للعنف الجسدي والجنسي والنفسي، والاختطاف والاستعباد والزواج القسري في مختلف مناطق النزاع وانهيار تام في الرعاية الصحية، مما جعلهنّ في قلب المأساة.

بينما يدفع أطفال السودان الثمن الأكبر حيث يعيشون كارثة إنسانية غير مسبوقة ويواجهون أكبر نزوح للأطفال في العالم، ويتعرّضون لمخاطر مميتة جمّة، فضلاً عن تعرّضهم للعنف الجسدي والاختطاف والتجنيد القسري في صفوف القتال وأصوات الانفجارات وفقدان الأهل والتهجير، مما أدّى إلى تدمير الأمان النفسي للأطفال.

بعد ثلاث سنوات من الحرب يمرُّ السودان حالياً بواحدة من أكبر أزماته الاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث يتدهور الاقتصاد السوداني بشكل حادّ ومستمر، نتيجة الصراع المدمّر الذي تسبّب في فقدان 80 في المائة من إيرادات الدولة وانهيار العملة المحلية (الجنيه السوداني) مقابل الدولار الأميركي والعملات الصعبة، وخسائر فادحة طالت البنية التحتية بلغت نحو 771 مليار دولار، وتراجع الناتج الإجمالي بنسبة 50 في المائة، حيث تُقدّر الخسائر الاقتصادية الإجمالية مئات المليارات، نتيجة توقف نحو 70 في المائة من الأنشطة الاقتصادية، وفقدان مصادر الدخل، وتهريب كميات كبيرة من الذهب، مما حرم الخزينة من إيرادات ضخمة، وانخفاض عائدات النفط بأكثر من 50 في المائة، بسبب الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمنشآت الحيوية، والتوقّف الملحوظ لعجلة الإنتاج الزراعي والصناعي، إلى جانب تراكم الديون الخارجية، وازدهار الاقتصاد الموازي (السوق السوداء)، وشحّ المداخيل من الضرائب والمرافق العامة.

ويبقى السؤال المرير: إلى متى سيستمر هذا القتال واستخدام الذهب (العمود الفقري للاقتصاد السوداني وثالث أكبر إنتاج في أفريقيا) والنفط والصمغ العربي وقوداً لهذه الحرب التي توظّف الشعب وتقحمه في أتونها لخدمة مصالحها؟! فالعلاج لا يكون إلا بالوقف الفوري لهذه الحرب الكارثية وإعادة البناء وعودة المهجرين إلى ديارهم. فهل من معجزة بإمكانها تحقيق ذلك في المدى المنظور؟!