في المؤتمر السنوي للجمعية الاقتصادية الملكية الذي عقد الأسبوع الماضي بمدينة نيوكاسل الإنجليزية، كان موضوع الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة، سواء في الجلسات التي خصصت له، أو تلك التي ناقشت قضايا متنوعة أخرى، ولكنه حل فيها بتطبيقاته، وحلوله، وفرصه، ومعضلاته. وفي الجلسة الرئيسة الأولى تحدث الاقتصادي كريستوفر بيساريديس، الحائز على جائزة نوبل، والأستاذ بمدرسة لندن للاقتصاد وجامعة قبرص، فاستعرض مستجدات مربكات الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، وطرحت عليه سؤالين في نهايتها أفاض في الإجابة عنهما؛ الأول عن مقاييس الاستعداد للذكاء الاصطناعي، والثاني عن سبل التعامل مع التفاوت الذي يسببه الذكاء الاصطناعي بين البلدان المختلفة، وداخل هذه البلدان بين أقاليمها، وقطاعاتها.
يشترك الكثيرون فيما استخلصه بيساريديس عن أن أثر الذكاء الاصطناعي على سوق العمل تكتنفه ظروف اللايقين، شأنه في ذلك شأن الكثير من المتغيرات في عالم اليوم. فمن باحثي تقنيات الذكاء الاصطناعي من يبشر بأن به علاجاً لكل داء، ومنهم من يذهب إلى أنه سيمحق الأرض ومن عليها. كما لم يقصر الاقتصاديون في ممارسة ما ألفوه من اختلاف؛ فمنهم يرى أن أثره محدود على العمل، والإنتاجية، ومنهم قال بضخامة الأثر.
لا ملجأ مع هذا التباين لاستبيان التوجه إلا بالبحوث التطبيقية حتى تنطق البيانات والأدلة بما عجزت عنه طرق الاستدلال بمشاهدات محدودة. وتشير البحوث الميدانية إلى أن العمال يسودهم تخوف بشأن استدامة أعمالهم، ومدى مناسبة مهاراتهم للأعمال التي سيكلفون بها في عصر الذكاء الاصطناعي. أما أرباب الأعمال فيخشون المنافسة العاتية من المتسلحين مبكراً بالذكاء الاصطناعي، وأكثرهم ليس على بينة أي تطبيق للذكاء الاصطناعي مفيد لهم. ومنهم من يستعين بكفاءات جديدة مؤهلة بالمستجد في الذكاء الاصطناعي، ولكن لا يستفيدون منهم بالقدر المبرر لتكلفتهم. وحتى الآن يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة معاونة. ولكن المربكات الأكبر أثراً لن تظهر إلا مع بلوغ ما يعرف «بالذكاء الاصطناعي العام» مداه؛ بمعنى قدرته على نقل معرفته من مجال محدد إلى مجالات أخرى لا علاقة لها ببعضها البعض. كأن ينتقل من ممارسة لعبة الشطرنج، والفوز فيها، إلى حل مسائل الفيزياء، إلى طهي الطعام. وهو ما لم يحدث بعد. ولكن ما يحدث في أسواق العمل في الولايات المتحدة والصين وأوروبا -وفقاً لدراسات بيساريديس- يشير إلى أن حالات تدمير فرص العمل الناجمة عن الذكاء الاصطناعي ما زالت محدودة، وإن كان الأثر قد بدأ المتقدمون الجدد للعمل يستشعرونه بالفعل، إذ حلت محلهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المهن المساعدة للمحاسبة، والقانون، على سبيل المثال.
وهنا أتى سؤالي عن التوافق بين مقاييس الاستعداد للذكاء الاصطناعي التي تقوم بها مؤسسات دولية، مثل صندوق النقد الدولي، ومقياس المربكات الذي طوره بيساريديس وفريق العمل معه. إذ يشمل مؤشر صندوق النقد الدولي مكونات عن: مرونة سوق العمل ورأس المال البشري، والبنية الأساسية التكنولوجية، والحوكمة، بينما يتضمن مقياس المربكات بُعدي التحول التكنولوجي، باستثماراته ومبتكراته، وكذلك مدى الاستعداد للتحول التكنولوجي من حيث رأس المال البشري، والبنية الأساسية الرقمية. وكانت إجابة البروفسور بيساريديس بتأكيد توافق مقياسه مع مؤشر صندوق النقد، وأنه في تشاور مستمر مع المؤسسة الدولية، لما لديها من قدرة على النشر، والتحديث الدوري.
وهنا ألفت النظر إلى أن البلدان العربية، إلا قليلاً، لا تظهر في الجانب المضيء من خريطة العالم للاستعداد للذكاء الاصطناعي وفقاً لمؤشر صندوق النقد الدولي. بما في ذلك ما يتضمنه من قواعد للحوكمة، والرقابة، وحماية الحقوق. ولا أرى في تعاملنا مع تقارير المؤسسات الدولية إلا سبيلين لا ثالث لهما. الأول: الرضا، والاقتناع، والتسليم بما جاء فيها إذا ما رأى المسؤولون أنها تعكس الحقيقة، وعليهم عندئذ الاستمرار فيما هو لائق، وإصلاح الأوضاع الأخرى لتحسين تصنيفهم الذي تسترشد به مؤسسات الاستثمار، والشركات التجارية، ومراكز البحث. أما إذا رأى المسؤولون أن هذه التقارير لا تعكس واقع بلادهم -إما لقصور في منهج القياس، أو عجز في البيانات- فعليهم إيضاح ذلك علناً كما فعلت الهند مؤخراً لعدم رضاها عن تصنيفها في مؤشر صندوق النقد المذكور. أما التذاكي باتباع نهج اللامبالاة باعتبار أن ما قد يثيره من ضجة لا داعي لها، فقد ثبت فشله في هذا الأمر، وغيره. فلا تُتقى شرور العلات بتجاهلها، وإن لم تكن هناك علة أصلاً فليعلم هذا القاصي والداني.
أما السؤال الثاني: فهو عن الواجب فعله مع مناطق في العالم ستتخلف لقصورها في جهود الصمود، والتطوير الواجب مع مستحدثات الذكاء الاصطناعي، وما سيترتب عليها من زيادة دخول الأكثر استعداداً لها وفقاً للمؤشرات المذكورة! هل تترك لآليات إعادة التوزيع بفرض الضرائب على ثروات ارتفعت بفعل إجادة الذكاء الاصطناعي، والهيمنة على ممكناته، وتوزيع الحصائل على من تدهور حالهم بشكل مطلق أو نسبي بسببه؛ بمنحهم دخولاً أساسية شاملة؟ أم يمكن ترك المناطق التي لا تظهر عليها أمارات إجادة الذكاء الاصطناعي كأماكن للترفيه، ومنتجعات لسياحة أغنياء الذكاء الاصطناعي ينفقون فيها وعلى قاطنيها فوائضهم؟ وقد أشار إلى هذا السيناريو الاقتصادي الأميركي كينيث روغوف في وصفه للمصير الأوروبي المتراجع أمام التقدم الأميركي والصيني في الذكاء الاصطناعي. أم أن هناك من سبيل لاحتواء الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية بتوزيع منافع الذكاء الاصطناعي لزيادة الكفاءة، وتنويع فرص الكسب؟ والإجابة تستوجب تفصيلاً يتناوله مقال قادم.
