صدام قضائي متصاعد بين الحكومة الجزائرية وأقوى نقابة مستقلة

وسط قلق على مستقبل التعددية والحق الدستوري في الإضراب

قيادة نقابة التعليم مع مناضلين سياسيين في محيط المحكمة (ناشطون)
قيادة نقابة التعليم مع مناضلين سياسيين في محيط المحكمة (ناشطون)
TT

صدام قضائي متصاعد بين الحكومة الجزائرية وأقوى نقابة مستقلة

قيادة نقابة التعليم مع مناضلين سياسيين في محيط المحكمة (ناشطون)
قيادة نقابة التعليم مع مناضلين سياسيين في محيط المحكمة (ناشطون)

تترقب الأوساط السياسية والنقابية في الجزائر تطورات خلاف حاد اندلع بين الحكومة وأبرز تنظيم نقابي في قطاع التعليم؛ حيث يرتقب أن يفصل القضاء في 28 من الشهر الحالي في دعوى حل النقابة، التي رفعتها وزارة العمل ضدها، بدعوى «عدم مطابقة نشاطها مع قانون ممارسة الحق النقابي الجديد».

وكان دفاع الطرفين المتنازعين قد قدّم، الثلاثاء، أمام المحكمة الإدارية بالعاصمة، دفوعه وعرائضه، ليعقب ذلك قرار القاضي بوضع الملف قيد «المداولة»، على أن يتم النطق بالحكم بعد أسبوعين؛ في خطوة باتت تكتسي أبعاداً سياسية وثيقة الصلة بملف الحريات في البلاد بشكل عام، وحرية العمل النقابي والحق الدستوري في الإضراب بشكل خاص.

زعيمة حزب «العمال» مع قياديين بنقابة التعليم بعد الخروج من المحكمة (ناشطون)

وحضر المحكمة بدافع التضامن قياديون من أحزاب المعارضة «جبهة القوى الاشتراكية» و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و«حزب العمال».

وأطلقت وزارة العمل والتشغيل، مسنودة بوزارة التربية الوطنية، مساعي قضائية في مارس (آذار) الماضي تهدف إلى حلّ «المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس للقطاع ثلاثي الأطوار للتربية»، المعروف اختصاراً بـ«كنابست». وجاءت هذه الخطوة بعد أشهر قليلة من وضع قياديين بارزين في التنظيم، هما مسعود بوديبة وبوبكر هابت، تحت تدابير الرقابة القضائية، إثر دعوتهما إلى إضراب احتجاجاً على ظروف عمل الأساتذة.

* مآخذ الوزارة

تستند عريضة وزارة العمل في مطالبتها بحل «كنابست» إلى حزمة من الدفوع التنظيمية والإجرائية؛ وفي مقدمتها عدم مطابقة القانون الأساسي والنظام الداخلي للنقابة مع الأحكام الجديدة، التي جاء بها «القانون رقم 23-02»، المتعلق بممارسة الحق النقابي.

القياديان في نقابة التعليم مسعود بوديبة وبوبكر هابت (ناشطون)

وإلى جانب معضلة الملاءمة التشريعية، تُثير الوزارة تساؤلات بخصوص مدى استيفاء النقابة لشروط «التمثيلية القانونية» وحجم المنخرطين الفعلي، مقارنة بالنسبة التي يفرضها القانون. كما يمتد الخلاف ليشمل الجانب القيادي، حيث تطعن الوصاية في شرعية تمثيل المنسق الوطني الحالي للنقابة، مسعود بوديبة، وهو ما تُرجم عملياً في مراسلة وزارية صدرت في أبريل (نيسان) الماضي، تقضي بوقف التعامل الإداري معه بصفته ممثلاً للتنظيم، بدعوى عدم تنفيذ أحكام وقرارات قضائية سابقة ذات صلة بالتسيير الداخلي.

في المقابل، تبدي نقابة «كنابست» رفضاً قاطعاً لهذه الخطوة، التي تصفها بـ«التصعيد غير المبرر» الذي يهدف حسبها إلى «تضييق الخناق على العمل النقابي المستقل في قطاع التربية».

من إضراب سابق لطلاب الطب سنة 2024 (ناشطون)

ويُقصد بصفة «المستقل»، عدم انضواء النقابة تحت مظلة «الاتحاد العام للعمال الجزائريين» (المركزية النقابية في البلاد)، والتي تواجه اتهامات مستمرة بـ«الخضوع التام للحكومة».

وأكدت «كنابست» في بياناتها التزامها الكامل بالأطر التشريعية المنصوص عليها، عادة المآخذ التي استندت إليها الوزارة مجرد «ذرائع إدارية لتسويغ قرار الإلغاء، وتجاوز الإرادة الحرة لمنتسبي القطاع». واستنكرت بقوة ما وصفته بـ«التقاعد القسري» المفروض على منسقها الوطني بوديبة، واضعة الإجراء في سياق «التدخل السافر في شؤونها الداخلية، وصلاحيات قواعدها العمالية».

وأمام هذا الوضع، قررت «كنابست» خوض المعركة على جبهتين؛ الأولى قضائية عبر تحضير دفوعها للطعن والرد على عريضة الوزارة، والثانية ميدانية من خلال تفعيل وقفات احتجاجية دورية، بالتوازي مع رفع مناشدة إلى الرئيس عبد المجيد تبون، للتدخل وحماية التعددية النقابية، وحريات التعبير داخل الفضاء التربوي.

* أبعاد الصراع الاستراتيجية

يقرأ مراقبون هذا الصدام القضائي المتصاعد بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع، تبنتها الحكومة مؤخراً لإعادة ضبط المشهد النقابي وهيكلة القطاعات الحساسة، وعلى رأسها قطاع التربية الوطنية، بهدف ضمان استقرار المرفق العام، والحد من شلل المدارس الناتج عن الإضرابات الدورية، التي لطالما ميزت السنوات الماضية.

جلسة التصويت بالبرلمان على مراجعة قانون النشاط النقابي سنة 2022 (البرلمان)

وتعود جذور الخلاف الراهن إلى عام 2022، حينما باشرت الحكومة مراجعة جذرية للتشريعات المنظمة للعمل النقابي؛ في خطوة قدمتها كأنها مسعى لتحديث قوانين العمل، وملاءمتها مع المعايير الأممية، ولا سيما «الاتفاقية رقم 87» لمنظمة العمل الدولية المتعلقة بالحرية النقابية. غير أن هذا التوجه قوبل منذ البداية بريبة شديدة من قِبل التكتلات النقابية المستقلة، خصوصاً في قطاعي الصحة والتعليم، حيث رأت في الخطوة تضييقاً ممنهجاً على فضاء الحريات الأساسية، ومحاولة لتقنين وتكبيل الحق الدستوري في الإضراب.

وترجم هذا المخاض التشريعي عملياً مطلع 2022 بإحالة مشروع تعديل القانون رقم 90-14 (صدر قبل أكثر من ثلاثة عقود) على مبنى البرلمان، حيث مررته الأغلبية الموالية للجهاز التنفيذي ليدخل حيز النفاذ في مايو (أيار) 2023 تحت اسم القانون 23-02.

مراجعة قوانين العمل والحق النقابي جرت في عهد الوزير الأول السابق أيمن بن عبد الرحمن (الوزارة الأولى)

وفي الوقت الذي تدافع فيه السلطات عن الإصلاحات الجديدة، بوصفها صمام أمان لـ«ضمان السلم الاجتماعي وعصرنة الحوار المهني»، رفعت نقابات قطاعية وازنة في مجالات التربية والصحة والتعليم العالي صوت الاحتجاج عالياً ضد مضامين القانون؛ واصفة إياه بـ«الانتكاسة» التي فرضت قيوداً مشددة تحظر الإضرابات التضامنية والمطلبية خارج الشق الاجتماعي البحت، وهو ما فجّر في سنة 2023 موجة من الاحتجاجات والإضرابات طالبت بسحب النص القانوني، بدعوى تصادمه الصريح مع المكتسبات التي كفلها دستور 2020.


مقالات ذات صلة

حرائق الغابات المستعرة تستنفر السلطات الجزائرية

شمال افريقيا صورة توضح حجم انتشار النيران المستعرة بشرق الجزائر (الحماية المدنية)

حرائق الغابات المستعرة تستنفر السلطات الجزائرية

أعلنت «الحماية المدنية» الجزائرية، الثلاثاء، أنها تصارع عشرات الحرائق في الغابات منذ 48 ساعة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة توضيحية مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُعبّر عن التقارب في العلاقات بين إسبانيا والجزائر عقب سنوات من التوتّر الدبلوماسي (الشرق الأوسط)

بعد سنوات من توتّر العلاقات... رئيس وزراء إسبانيا يزور الجزائر الأسبوع المقبل

يُجري رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز زيارة رسمية للجزائر الاثنين المقبل، يُتوقع أن تُسهم في استكمال مسار تطبيع العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التوتّر.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
شمال افريقيا مؤسس التيار العلماني في الجزائر سعيد سعدي (أرشيفية)

عودة معارض بارز من الخارج تغذي الجدل حول «رئاسية» 2029 في الجزائر

أعلن الرئيس الأسبق لحزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» سعيد سعدي، المقيم في فرنسا منذ نهاية 2019، عن استكماله كتابة مذكراته وعزمه العودة إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا مهاجرون على متن أحد «قوارب الموت» أُنقذوا من قِبل خفر السواحل الإسباني (أرشيفية - أ.ف.ب)

صور وصول جماعي لمهاجرين سرّيين جزائريين إلى إسبانيا تثير جدلاً

إحصاءات لوزارة الداخلية الإسبانية و«الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل» أظهرت قفزة نوعية في تدفقات الهجرة غير النظامية هذا العام.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً رجل الدين المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

«تنازلات براغماتية» تنهي أشهراً طويلة من التوتر بين الجزائر ومالي

طوى تبادل الاتهامات بـ«نشر الإرهاب»، وأوصاف «الانقلابيين والجنود المتسلطين» التي طبعت الخطاب بين الجزائر وباماكو خلال السنتين الماضيتين، صفحتهما أمام هدوء نسبي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

جدل «البن المغشوش» يُعكر «مزاج» المصريين

المصريون يستهلكون نحو 80 ألف طن بن سنوياً (الشرق الأوسط)
المصريون يستهلكون نحو 80 ألف طن بن سنوياً (الشرق الأوسط)
TT

جدل «البن المغشوش» يُعكر «مزاج» المصريين

المصريون يستهلكون نحو 80 ألف طن بن سنوياً (الشرق الأوسط)
المصريون يستهلكون نحو 80 ألف طن بن سنوياً (الشرق الأوسط)

عكر جدل «البن المغشوش» مزاج المصريين، فبعدما قال أحد المسؤولين إن 80 في المائة من المعروض بالأسواق «مضروب»، أكد آخر أن المنتج آمن، وحالات «الغش» محدودة.

بدأت حالة الجدل على خلفية مداخلة متلفزة، مساء الثلاثاء، تحدث فيها رئيس «شعبة البن» في اتحاد الغرف التجارية، مصطفى الشيخ، عن «حالة من الفوضى غير المسبوقة اجتاحت قطاعاً واسعاً من معروض القهوة بالأسواق المصرية في الآونة الأخيرة».

وأكد أن «نسبة البن المغشوش وغير المطابق للمواصفات الطبيعية في السوق المحلية وصلت إلى نحو 80 في المائة»، لافتاً إلى أن «عمليات الغش التجاري لم تتوقف عند المنافذ البسيطة، بل امتدت لتطال أرقى الكافيهات، إذ تعمل نحو 70 في المائة من هذه الأماكن بالبن المضروب، والمغشوش، وتقدمه لزبائنها بأسعار مرتفعة»، وفق رأيه.

كما حذر الشيخ، من «التداعيات الصحية الخطيرة الناتجة عن تناول مواد مضافة للقهوة»، مؤكداً أن «الشعبة» رصدت بالفعل «حالات تسمم معوي، وإصابات بالإسهال الشديد، بسبب استهلاك هذا البن المغشوش في الكافيهات، والمحلات».

لكن في المقابل أكد رئيس «شعبة البن» بالغرفة التجارية في القاهرة حسن فوزي، أن «الحديث عن وجود نسب كبيرة من الغش في البن، لا يعكس واقع السوق»، وقال في تصريحات صحافية، الأربعاء، إن «هناك رقابة مستمرة على الأسواق لمواجهة أي مخالفات»، و«سوق البن في مصر مستقر».

وتابع أن «شراء البن من مصادر غير معلومة، أو بأسعار منخفضة بشكل غير منطقي، قد يكون سبباً للشك في جودته»، داعياً المستهلكين إلى «الاعتماد على التجار والمصانع الموثوقة».

جدل «البن المغشوش» عكر «مزاج» المصريين (الشرق الأوسط)

كما أثار حديث «البن المغشوش» تساؤلات بشأن تأثيرات المواد المضافة على صحة المواطنين، وتحدثت تقارير صحافية عن «خلط البن بمواد أخرى، مثل البلح، والبسلة».

لكن العميد الأسبق لمعهد القلب القومي بمصر، جمال شعبان، أكد في تصريحات صحافية، الأربعاء، أنه «لا توجد دراسات تثبت أن إضافة التمر، أو البسلة، أو الفاصوليا إلى البن المطحون تسبب ضرراً مباشرا للقلب»؛ إلا أن «الخطر في ممارسة الغش مع وجود احتمالات إضافة مواد أخرى ضارة».

و«القهوة» أحد أهم المشروبات المرتبطة بـ«مزاج» المصريين. وتحدثت العميدة السابقة للمعهد القومي للتغذية، زينب بكري، عن الضرر الذي يقع على «مزاج» مستهلك القهوة، قائلة لـ«الشرق الأوسط» إن «غش البن بإضافة أي مواد يعني انخفاض نسبة الكافيين في كل فنجان، وحاجة المستهلك إلى شرب كمية أكثر من المعتاد».

ويستهلك المصريون «نحو 80 ألف طن بن سنوياً»، وفق تصريحات رئيس شعبة البن بالغرفة التجارية في أبريل (نيسان) الماضي.

وبحسب رأي خبير التشريعات الاقتصادية، وليد جاب الله، فإنه لا يمكن الاستناد إلى تصريحات فردية للحديث عن نسبة محددة لأي غش تجاري، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أعضاء الغرف التجارية في كل القطاعات جميعهم غير فنيين، وأي تصريحات تصدر عنهم تعبر عن رأيهم الشخصي، وليس رأي (الغرفة) طالما لم يصدر بيان رسمي عنها يدفع السلطات إلى التحقيق في الأمر».

مسؤول مصري حذر من تداعيات صحية ناتجة عن تناول مواد مضافة للقهوة (المعهد القومي للتغذية)

في سياق ذلك ضبطت «إدارة مراقبة الأغذية» بمديرية الصحة في محافظة القليوبية القريبة من القاهرة، الأحد الماضي، كمية كبيرة من البن المغشوش في أحد مخازن المواد الغذائية، وبحسب وسائل إعلام محلية «تبين خلط حبوب البن بحبوب أخرى، ووضعها في عبوات تحمل أسماء علامات تجارية شهيرة».

كما ضبطت الأجهزة الرقابية مصنعاً غير مرخص لتعبئة البن في محافظة الفيوم جنوب العاصمة المصرية، وقال وكيل وزارة التموين بالفيوم، جمعة عبد الحفيظ، مطلع الأسبوع الجاري إن «المصنع يستخدم نوى البلح والبسلة ويضيفها إلى البن، ثم تتم تعبئة وتغليف المنتجات في عبوات تحمل أسماء علامات تجارية شهيرة».

رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء» (أهلية) محمود العسقلاني يقول: «يوجد بالفعل حالات غش للبن بالسوق المصرية»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنه «منذ بداية ارتفاع سعر الدولار لجأ بعض التجار إلى غش البن بإضافة مواد أخرى أقل تكلفة».


المخاوف من تفشي «الحمى القلاعية» تدفع ليبيا إلى توسيع إغلاق أسواق الماشية

سوق لبيع المواشي والأغنام في الزاوية (الشرطة الزراعية)
سوق لبيع المواشي والأغنام في الزاوية (الشرطة الزراعية)
TT

المخاوف من تفشي «الحمى القلاعية» تدفع ليبيا إلى توسيع إغلاق أسواق الماشية

سوق لبيع المواشي والأغنام في الزاوية (الشرطة الزراعية)
سوق لبيع المواشي والأغنام في الزاوية (الشرطة الزراعية)

دفعت المخاوف المتزايدة من تفشي الإصابة بمرض الحمى القلاعية السلطات الليبية إلى توسيع نطاق الإجراءات الاحترازية، عبر إغلاق أسواق الماشية وفرض قيود على حركة نقل الحيوانات في مدن ومناطق جديدة، بعد ظهور حالات إصابة واشتباه متفرقة في الشرق والغرب والجنوب، في محاولة لاحتواء هذا المرض، والحد من تداعياته على الثروة الحيوانية.

وتصاعدت وتيرة القرارات الصادرة عن الأجهزة الزراعية والبلديات، خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، مع اتساع دائرة القلق من انتقال العدوى بين القطعان، وما قد يترتب على ذلك من خسائر اقتصادية للمربين، في وقت تؤكد فيه الجهات البيطرية استمرار أعمال التقصي الوبائي، وسحب العينات لمتابعة تطورات الوضع.

من عملية تطعيم ماشية ضد الحمى القلاعية في مدينة مسلاتة الليبية الثلاثاء (جهاز الشرطة الزراعية)

وفي غرب البلاد، أغلقت السلطات سوق «سيدي الصيد» للمواشي في ترهونة، بعد الإعلان عن ظهور حالات إصابة في بلدية مسلاتة، ضمن إجراءات تهدف إلى منع انتقال العدوى. كما أعلن جهاز الحرس البلدي في قصر الأخيار إغلاق سوق المواشي، ومنع عمليات البيع والشراء ونقل الحيوانات مؤقتاً، بينما فرضت الشرطة الزراعية في سرت حظراً على إدخال أو إخراج المواشي من المدينة وإليها، إضافةً إلى وقف نشاط سوق المواشي، مع مطالبة المربين بالإبلاغ الفوري عن أي حالات اشتباه.

وتحدث جهاز الشرطة الزراعية في طرابلس عن التنسيق مع مديريات الأمن بالمناطق، بهدف تشديد الإجراءات الاحترازية، والحد من نقل الحيوانات بين المناطق، بما يسهم في دعم جهود الوقاية، والسيطرة على انتشار الأمراض الوبائية وحماية الثروة الحيوانية. وذلك خلال اجتماع لمسؤولين أمنيين وبيطريين، الأربعاء.

وامتدت الإجراءات إلى شرق ليبيا، حيث قررت السلطات إغلاق أسواق المواشي في سلوق وقمينس، بعد تسجيل إصابات ونفوق أعداد من الماشية، مع تشكيل فرق للتقصي الوبائي ومتابعة الحالة الصحية للقطعان. كما تقرر إغلاق سوق المواشي في طبرق، ووقف حركة نقل الحيوانات من وإلى البلدية، فيما أغلقت السلطات سوق الجمعة للمواشي في شحات، إلى حين تقييم الوضع الوبائي.

وفي مدينة درنة، دعت مكاتب الصحة الحيوانية المربين إلى وقف نقل الأغنام والأبقار، وإغلاق سوق المواشي مؤقتاً، وذلك عقب ظهور حالات اشتباه في منطقتي قندولة ومراوة بالجبل الأخضر، مع التشديد على عدم خلط القطعان، والإبلاغ الفوري عن أي أعراض يُشتبه في ارتباطها بالمرض.

ولم تقتصر الإجراءات على شرق البلاد وغربها، بل شملت أيضاً الجنوب الليبي، حيث أعلنت بلدية أوجلة، الأربعاء، وقف سوق للمواشي حتى إشعار آخر، فيما قررت السلطات في أوباري إغلاق سوق المواشي بمنطقة توش، ومنع نقل الحيوانات بين البلديات لفترة تتراوح بين عشرة وعشرين يوماً، ضمن خطة تهدف إلى الحد من انتشار العدوى.

وكانت السلطات البيطرية قد أعلنت خلال الأيام الماضية تسجيل بؤر إصابة مؤكَّدة في بعض مناطق غرب ليبيا، إلى جانب حالات اشتباه في مناطق بشرق البلاد، الأمر الذي دفع الأجهزة المختصة إلى تكثيف حملات الفحص الميداني وإجراءات العزل، بالتوازي مع تشديد الرقابة على حركة المواشي بين المدن.

وسبق أن قال مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة بالمركز الوطني للصحة الحيوانية في غرب ليبيا، الدكتور عبد الحميد الشريف، لـ«الشرق الأوسط»، إن التحدي لا يقتصر على ظهور بؤر جديدة، بل يرتبط أيضاً بتراكم مشكلات القطاع البيطري، وفي مقدمتها عدم انتظام حملات التحصين ونقص الإمكانات، وهو ما أسهم، حسبه، في تكرار موجات التفشي خلال السنوات الأخيرة.

يعد مرض الحمى القلاعية من أكثر الأمراض الفيروسية سرعة في الانتشار بين الحيوانات ذات الحافر المشقوق مثل الأبقار (رويترز)

ويعد مرض الحمى القلاعية من أكثر الأمراض الفيروسية سرعةً في الانتشار بين الحيوانات ذات الحافر المشقوق، مثل الأبقار والأغنام والماعز، ويتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة انخفاض الإنتاج ونفوق المواليد، بينما تبقى إصابة الإنسان به نادرة، وهو ما يدفع السلطات الليبية إلى توسيع الإجراءات الاحترازية، أملاً في احتواء المرض قبل امتداده إلى بؤر جديدة.


«ملفات معلقة» ترجئ اتفاقاً يمهد للانتخابات الليبية المرتقبة

اجتماع لجنة «4 + 4» الليبية في تونس الثلاثاء (البعثة الأممية)
اجتماع لجنة «4 + 4» الليبية في تونس الثلاثاء (البعثة الأممية)
TT

«ملفات معلقة» ترجئ اتفاقاً يمهد للانتخابات الليبية المرتقبة

اجتماع لجنة «4 + 4» الليبية في تونس الثلاثاء (البعثة الأممية)
اجتماع لجنة «4 + 4» الليبية في تونس الثلاثاء (البعثة الأممية)

أبقى تأجيل توقيع اتفاق نهائي بين الأفرقاء السياسيين الليبيين الباب مفتوحاً أمام جولة جديدة من التفاوض، بعدما انتهى اجتماع رعته الأمم المتحدة في تونس، الثلاثاء، دون حسم ملف رئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وبعض القضايا الخلافية المرتبطة بالإطار القانوني للاستحقاق الانتخابي، رغم توقعات بإعلان اتفاق نهائي يمهد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وبدا هذا التأجيل في نظر سياسيين ومحللين انعكاساً لـ«حسابات سياسية معقدة» تحكم مواقف أطراف لجنة «4 + 4». ولم يكن البيان الصادر عن بعثة الأمم المتحدة، الذي تحدث عن اعتماد آلية جديدة لاختيار رئيس المفوضية، وإدراج غالبية النقاط المتوافق عليها ضمن مسودة الاتفاق النهائي للإطار القانوني للانتخابات، كافياً لتبديد التساؤلات حول أسباب إرجاء التوقيع إلى اجتماع يعقد الأسبوع الأول من أغسطس (آب).

المبعوثة الأممية في ليبيا هانا تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري خلال مشاركتهما في اجتماع «4 + 4» بتونس (البعثة الأممية)

وعدَّ عضو الحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة، أشرف بودوارة، أن «من الطبيعي أن تشهد مثل هذه التفاهمات بعض التأجيل إذا كانت هناك نقاط لا تزال قيد النقاش، لأن الوصول إلى صيغة توافقية قابلة للتنفيذ أهم من الالتزام بموعد زمني لا يحقق الإجماع المطلوب».

ولم يستبعد بودوارة في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن تكون هناك «حسابات سياسية معقدة، سواء على المستوى الداخلي أو فيما يتعلق بمواقف بعض الأطراف الإقليمية والدولية»، لكنه رأى أن الأهم هو خروج الاتفاق بصيغة متوازنة تحظى بقبول واسع، وتكون قابلة للتطبيق على أرض الواقع.

وجاء التأجيل بعد سقف توقعات مرتفع لدى المشاركين في هذا المسار، إذ تحدث أعضاء في لجنة «4 + 4»، عقب خمس جولات تنقلت بين روما وتونس، عن معالجة غالبية العوائق التي تضمنتها القوانين الانتخابية السابقة، والتوصل إلى حلول للنقاط الخلافية. بل إن ممثل حكومة «الوحدة الوطنية» في اللجنة، عبد الجليل الشاوش، أعلن في وقت سابق أنه «لم يعد هناك مجال لتأجيل أو عرقلة إجراء الانتخابات».

وفي تقدير بودوارة، فإن نجاح أي تفاهم لن يُقاس بتاريخ توقيعه، وإنما بقدرته على إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وقيادة البلاد نحو انتخابات حرة ونزيهة ضمن جدول زمني واضح، مضيفاً أن ليبيا «لم تعد تحتمل اتفاقات جديدة تُضاف إلى أرشيف المبادرات دون تنفيذ».

وتضم لجنة «4 + 4» ممثلين عن «الجيش الوطني» في شرق ليبيا وحكومة «الوحدة الوطنية» في غربها، إلى جانب عضوين من مجلس النواب وعضوين من المجلس الأعلى للدولة، وقد أطلقتها البعثة الأممية بديلاً لتجاوز تعثر التوافق بين المجلسين بشأن القوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

وقبل تمديد جولات التفاوض، شهدت المحطات السابقة للجنة في روما وتونس توافقات متدرجة شملت إعادة تشكيل مجلس المفوضية، والتوصل إلى تفاهمات بشأن قانون الانتخابات الرئاسية، قبل أن يصل المسار إلى مرحلة مراجعة الصياغة النهائية للاتفاق.

وهنا يرى الباحث السياسي عبد الله الديباني أن التأجيل لا يعكس مجرد خلاف إجرائي، بل يكشف استمرار التعقيدات المرتبطة بالآليات التنفيذية، والضمانات اللازمة لإنجاز تسوية تمهد للاستحقاق الانتخابي. وأوضح في منشور عبر «فيسبوك» أن استحداث آلية جديدة لاختيار رئيس المفوضية فتح نقاشاً إضافياً بشأن الجهة المخولة بالحسم، وآليات اعتماد المرشح، وهو ما استدعى منح الأطراف مزيداً من الوقت للوصول إلى صيغة أكثر تماسكاً.

وكانت بعثة الأمم المتحدة قد أعلنت أواخر أبريل (نيسان) الماضي توصل لجنة «4 + 4»، خلال اجتماعها في روما، إلى اتفاق لإعادة تشكيل مجلس المفوضية، يتضمن ترشيح النائب العام أحد القضاة المعروفين بالكفاءة والنزاهة لرئاستها، إلى جانب ستة أعضاء يمثلون مجلسي النواب و«الأعلى للدولة».

في غضون ذلك، لا يزال الغموض يحيط بملفات أكثر حساسية على طاولة «4 + 4»، وفي مقدمتها شروط ترشح العسكريين وحاملي الجنسية المزدوجة للانتخابات الرئاسية، إلى جانب مسألة تزامن إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهما قضيتان ارتبطتا منذ سنوات بالجدل حول أهلية بعض الشخصيات البارزة لخوض السباق الرئاسي.

مستشار ترمب للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

وفي قراءة لهذه التعقيدات، عدّ الباحث المشارك في المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة، جلال حرشاوي، أن «الخطوة الأصعب ستكون إيجاد سبيل لإقناع ممثلي الجيش الوطني بضرورة تعديل القوانين الانتخابية».

وأبرز في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أن إجراء الانتخابات الرئاسية بالتزامن مع الانتخابات التشريعية لا يزال محل خلاف، ومن المرجح أن تثير هذه الملفات نقاشات حادة حتى بعد التوافق على رئيس جديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات مطلع أغسطس المقبل.

غير أن ظلال المبادرة السياسية، التي تتداول أوساط ليبية ودبلوماسية أنها تحظى بدعم أميركي لإعادة ترتيب السلطة التنفيذية، لم تكن بعيدة عن اجتماعات تونس، حسب تقدير محللين.

وتقوم هذه المبادرة، التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، ووفق ما يتردد بشأنها، على تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مع تكليف رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة برئاسة حكومة موحدة.

ورأى حرشاوي أن التوقع السائد حتى وقت قريب كان أن يحرز مسار «4 + 4» الذي ترعاه الأمم المتحدة تقدماً وفق معاييره الخاصة، بينما يتقدم المسار المدعوم من الولايات المتحدة بصورة منفصلة ووفق حساباته الخاصة.

وحسب تقديره، فإن ما شهده اجتماع تونس يشير إلى «ميل كبير لدى الطرفين الليبيين الرئيسيين إلى ربط التنازلات في أحد المسارين بما يتحقق في المسار الآخر»، وهو ما قد يفسر الحذر الذي طبع الجولة الأخيرة من المفاوضات.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

أما الديباني فقد انتهى إلى أن إرجاء التوقيع قد يكون مرتبطاً أيضاً بالحاجة إلى توفير غطاء دولي أوسع لدعم الاتفاق وضمان تنفيذه، في ظل استمرار التحفظات، التي تبديها بعض القوى السياسية تجاه اللجنة المصغرة، فضلاً عن تجنب إنتاج تفاهم قد يواجه عراقيل بمجرد بدء تطبيقه.