اعتمدت الجزائر خطوة جديدة في إطار خطتها لمحاربتها ظاهرة الاتجار بالمخدرات. فبعد عام من اعتماد قانون جديد يتسم بصرامة عالية، شمل إخضاع التوظيف في المناصب لتحاليل المخدرات، اتخذت السلطات تدبيراً غير مسبوق ينص على إقرار مكافآت وتوفير حماية للمبلغين عن تجار المخدرات.

ويأتي هذا الإجراء ضمن مرسوم تنفيذي صدر في آخر عدد من الجريدة الرسمية، يحدد شروط وكيفيات التحفيز على تقديم معلومات تساهم في التعرف على مرتكبي الجرائم المتعلقة بالمخدرات والمؤثرات العقلية، أو إلقاء القبض عليهم، ووضع حد لنشاطهم الإجرامي.
جاءت هذه الخطوة بعد أسبوع من فاجعة كبيرة هزت البلاد؛ حيث لقي 28 شخصاً مصرعهم في انقلاب حافلة ركاب شرق العاصمة، وأكدت التحريات الرسمية أن سائقها الذي توفي كان تحت تأثير مخدر عندما كان يمسك المقود، ما أوحى كنتيجة أولية للتحريات بأن تعاطيه للمخدرات كان سبباً مباشراً في الحادث.
تدابير ردعية
ينص المرسوم على منح الشرطة القضائية للأمن الوطني والدرك، ومصالح الجمارك، صلاحية تقديم مكافآت مالية أو مزايا أخرى للأشخاص الذين يقدمون معلومات تساعد في كشف هوية الجناة أو توقيفهم، أو إنهاء الفعل الإجرامي، مع إخطار النيابة المختصة إقليمياً بذلك.

ويعطي النص لمسؤول الجهة المكلفة التحقيق صلاحية تحديد قيمة المكافآت المالية الممنوحة عقب اطلاع النيابة العامة، إلى جانب تحديد التحفيزات غير المالية التي قد تشمل توفير الحماية الأمنية، والمساعدة في تسهيل بعض الإجراءات الإدارية الخاصة.
وتخضع هذه المزايا لستة معايير أساسية ترتبط بطبيعة الجريمة، ومدتها، ونطاقها الجغرافي، وظروف ارتكابها، ومدى تعقيدها، على أن يتم صرف المكافآت عقب التأكد من توقيف المتورطين، أو إنهاء النشاط الإجرامي موضوع البلاغ.
في سياق ذلك، أعلنت القيادة العامة للدرك عن بدء تنفيذ خطة ميدانية حازمة، لمواجهة ظاهرة القيادة تحت تأثير الكحول أو المخدرات، عبر إطلاق حملة كشوفات واسعة خلال الأيام الأخيرة، شملت مختلف المحاور والشبكات الطرقية.
وتستهدف هذه العملية بشكل خاص سائقي الحافلات وشاحنات النقل الثقيل؛ حيث يُخضَعون لفحوصات نظامية للكشف عن الكحول والمؤثرات العقلية، بهدف الوقاية من حوادث المرور، وتعزيز الامتثال لقواعد السلامة الطرقية، وفق ما ورد في بيانات متعددة نُشرت عبر صفحة «طريقي» المتخصصة في الوقاية من الطرقات، والتي يديرها جهاز الدرك.
وتأتي هذه الخطوة امتداداً لتوجيهات وزير الداخلية والنقل، سعيد سعيود، الذي شدد خلال ترؤسه اجتماعاً الأسبوع الماضي على تكثيف هذه الضوابط الميدانية، موازاة مع مواصلة حملات التحسيس، والتوعية بشأن ما تسميه الصحافة «إرهاب الطرقات».

وتُعد هذه الفحوصات النظامية إحدى الآليات التي اعتمدتها الدولة لكبح حوادث الطرقات التي تحصد عشرات الأرواح أسبوعياً، لا سيما بعدما أثبتت التحقيقات أن القيادة تحت تأثير المسكرات والمخدرات تقف وراء كثير من الفواجع؛ كان آخرها الحادث المأساوي بولاية بومرداس الذي أسفر عن مقتل 28 شخصاً، وإصابة أكثر من 40 آخرين؛ حيث كشفت التحريات أن سائق الحافلة كان تحت تأثير المؤثرات العقلية عندما كان يقودها على مسافة 400 كيلومتر.
ولمنع تكرار مثل هذه الكوارث، انتشر عناصر الدرك الوطني، منذ الخميس الماضي، عبر المحاور الكبرى لإجراء كشوفات لعينة اللعاب، ونسبة الكحول في هواء الزفير، مع توثيق تلك العمليات بالصور عبر صفحة «طريقي»، والتي شملت سائقي وسائل نقل المسافرين وشاحنات البضائع.
اختبارات إجبارية
في هذا السياق، كثَّفت المجموعات الجهوية للدرك الوطني، على غرار مجموعة ولاية سطيف (300 كيلومتر شرق العاصمة)، من وجودها الميداني وإخضاع السائقين لفحوصات فورية. وقد أسفرت إحدى العمليات بمنطقة العفرون بولاية البليدة (50 كيلومتراً غرب العاصمة) عن توقيف سائق حافلة تعمل على خط الشلف- الجزائر العاصمة (غرب- وسط)، بعدما أظهر تحليل اللعاب نتيجة إيجابية أولية، تؤكد قيادته تحت تأثير مادة مخدرة؛ حيث تم التدقيق في وثائقه وإخضاعه للاختبار وتوقيفه على الفور.
ومن المرتقب تواصل هذا الضغط الرقابي المكثف خلال الأيام القادمة، وسط ترحيب واسع من المواطنين والرأي العام، حسب فيديوهات تفاعلية نشرها الدرك.

وبدأت الدولة في يوليو (تموز) 2025 العمل بقانون جديد، يتعلق بالوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية ومكافحتهما، لتشديد الخناق على الظاهرة؛ حيث تم إلزام كل مترشح للتوظيف، سواء في القطاع العام أو الخاص، تقديم شهادة طبية تثبت «خلوه من تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية» كشرط أساسي لتقلد مناصب العمل.
ووفقاً للضوابط القانونية المعتمدة، تُطلب تحاليل طبية ضمن ملفات الترشح لمسابقات التوظيف في المؤسسات والإدارات العمومية، والمؤسسات ذات الطابع العام والمفتوحة للجمهور، إضافة إلى هيئات القطاع الخاص.

ويمتد نطاق الكشف المبكر -وفق المسار الردعي والوقائي الشامل الذي جاء به القانون- ليشمل المدارس ومراكز التكوين المهني؛ إذ يتيح القانون إخضاع التلاميذ ومتدرِّبي التكوين المهني لفحوصات طبية دورية للكشف عن علامات التعاطي، وذلك بموافقة أولياء أمورهم القانونيين، أو بناءً على أمر من قاضي الأحداث المختص عند الاقتضاء.
