طارق الشناوي
ناقد سينمائي، وكاتب صحافي، وأستاذ مادة النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة. أصدر نحو 30 كتاباً في السينما والغناء، ورأس وشارك في لجان تحكيم العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. حصل على العديد من التكريمات، وقدم أكثر من برنامج في الفضائيات.
TT

فنانة تستجير بالجمهور لإنقاذ زوجها

استمع إلى المقالة

لا تصدِّقوا تلك المقولة: «الفنون جنون»، فالجنون الكامل لا يخلق إبداعاً. ممكن -فقط- السماح بهامش مقنن من الجنون.

كتبت الفنانة زوجة الممثل الشهير على صفحتها: «أنقذوا الإنسان محمد فراج من الفنان محمد فراج». كان فراج قد أبدع في تقمص أداء دور القاتل «الشيخ علاء» في مسلسل «لعبة جهنم»، المأخوذ عن واقعة حقيقية، الشخصية تلبَّسته تماماً في البيت، وصار وكأنه يشكل خطراً على نفسه وعلى كل المحيطين به. الزوجة بهذا «البوست» أرادت مداعبة الجمهور، وفي الوقت نفسه تهنئة زوجها. لا أعتقد أنه بالفعل كان يشكِّل خطراً على أهل بيته.

أحياناً تتلبَّس الممثل الشخصية الدرامية، وتختلف درجة التأثير، فالفنان يمتلك بداخله بوصلة يضبط بها الانفعال، إذا فقدها فلن يستطيع استكمال الأداء.

قد تظل هناك بقايا من الشخصية الدرامية تلاحقه من الاستوديو إلى البيت. مثلاً: أحمد زكي بعد دوره الرائع في فيلم «زوجة رجل مهم»، كان يعاني من مشكلات صحية مبرحة في «القولون». الطبيب المعالج أكد أنه سليم ولا يعاني من شيء، بينما الطبيب النفسي اكتشف أنه من فرط تقمصه للدور تلبَّسه الألم النفسي الذي كانت الشخصية تعاني منه درامياً، بسبب براعته في تقمص أداء دور ضابط أمن الدولة «العقيد هشام أبو الوفا»، الذي كان قد وصل إلى ذروة حد التماهي معه.

الممثلون مثل أحمد زكي يجدون صعوبة في العودة إلى شخصيتهم الواقعية، حتى إنه عندما كان يؤدي دور عبد الناصر في فيلم «ناصر 56»، وبعدها أنور السادات في فيلم «أيام السادات»، كان فريق العمل يحرص عند الاقتراب منه على معاملته كرئيس للجمهورية. وعندما أدى دور «عبد السميع» في فيلم «البيه البواب»، كانوا يتبسطون معه في الحوار.

النجم الكبير رشدي أباظة في فيلم «كلمة شرف»، عندما دخل الاستوديو لتصوير دور لواء شرطة، لم يستشعر أن البطلين بجواره فريد شوقي وأحمد مظهر يمنحانه التوقير المفروض، فانفعل وأطلق عياراً نارياً في الهواء، وغادر «اللوكيشن»، وتكبَّد منتج الفيلم فريد شوقي خسارة فادحة؛ لأنه عندما التقاه داخل الاستوديو لم يقف منتفضاً ويمنحه التحية العسكرية المفروضة.

كانت الفنانة لبني عبد العزيز قد وقفت أول مرة في الاستوديو أمام عبد الحليم حافظ في فيلم «الوسادة الخالية». كان «العندليب» في منتصف الخمسينيات هو فتى أحلام كل البنات، بينما لبني عبد العزيز خريجة الجامعة الأميركية ثقافتها الموسيقية عالمية، فلم تكن مدركة مكانة عبد الحليم كمطرب في الوجدان الشعبي. نجح الفيلم لأن كل تركيزها فقط في أداء الدور. تعاملت مع حليم كممثل موازٍ لها، وليس كفتى أحلام البنات. وهكذا انتقلت بسلاسة في الفيلم التالي «رسالة من امرأة مجهولة»، بطولة فريد الأطرش، على عكس ميرفت أمين -مثلاً- التي عندما شاركت عبد الحليم بطولة فيلم «أبي فوق الشجرة»، استغرق الأمر بضعة أسابيع قبل التصوير، حتى تستطيع إيقاف حالة الانبهار التي تلبَّستها في اللقاءات الأولى مع حليم.

بداخل الممثل المحترف مؤشر، إذا أجاد السيطرة عليه فإنه يستطيع ببساطة الانتقال من تقمص شخصية إلى أخرى من دون معاناة. هكذا -مثلاً- فاتن حمامة، وفريد شوقي، وسناء جميل، ونور الشريف، ومحمود حميدة. وأعتقد أن محمد فراج سيقول قريباً: وداعاً للقاتل الشيخ علاء، ولن تستجير مجدداً السيدة زوجته الفنانة بسنت شوقي بالجمهور لإنقاذه.