في مستهلِّ المقال الماضي، وأنا أناقش مغالطاتِ أنيس فريحة في جزء من دراسته «الفكر العربي: مشكلته»، قلت: هذه المغالطة هي قوله: إن «العربي رأى في المسيحية أسلوباً في الحكم يخالف النظرة الثيوقراطية التي يأخذ بها، ولهذا أشاح ببصره عنها».
تمييز المسيحية بأنها «غربية» كان تصرفاً مني في الاقتباس، وإلا فهو في ذلك الجزء من تلك الدراسة لا يميز بين المسيحية الغربية والمسيحية الشرقية، وذلك بغرض الادعاء بأنَّ المسيحية الأخيرة تأخذ بالنظرة العلمانية لا بالنظرة الثيوقراطية في أسلوب الحكم!
وفي هذا الادعاء تضليلٌ ملتوٍ.
مع إنشاء البعثة العلمانية الفرنسية في السنين العشر الأولى من القرن الماضي مدارس علمانية إلى جوار مدارس دينية فرنسية مختلفة (الجزويت، الليسيه، الفرير) معنية أساساً بتدريس المذهب الكاثوليكي وبالتبشير بالمسيحية الكاثوليكية، أنشأت في تلك السنوات العشر مدارس علمانية في سلانيك وأزمیر وبيروت والقاهرة والإسكندرية.
تأسست البعثة العلمانية الفرنسية في زمن الجمهورية الفرنسية الثالثة (1870– 1940) في باريس عام 1902، وتوجهت بنشاطها التعليمي لغير الفرنسيين. فوضع العلمانية قبل قيام هذه الجمهورية ظل متأرجحاً، فتارة يتغلب تيار إرث الثورة الفرنسية المناهض للكنيسة، وتارة يتغلب إرث الكنيسة؛ لكن مع قيام هذه الجمهورية كانت الغلبة للعلمانية بمفهوم الثورة الفرنسية، وهي علمانية نضالية صلدة، لا لين فيها ولا هوادة ولا تنازلات للكنيسة، وقد طُبقت بإجراءات متدرجة. وقد تُوِّجت هذه الغلبة بصدور قانون 1905 الذي يقضي بالفصل النهائي والتام بين الدولة والكنيسة.
البعثة أصدرت نشرة دعائية شهرية تابعة للكلية العلمانية الفرنسية. وقد صدرت هذه النشرة في أواخر ديسمبر (كانون الأول) عام 1910. صدرت منها بضعة أعداد ما بين عامي 1910 و1912. وتوقفت هذه النشرة عام 1914 مع إغلاق الكلية بسبب بداية الحرب العالمية الأولى. وكانت هذه النشرة تصدر بثلاث لغات، هي: العربية والتركية والفرنسية.
في أول عدد من النشرة، قالت ضمن تعريفها بمهام البعثة العلمانية: «وهي ترجو أن تتعدد في هذه البلاد التي فرَّقها التعصب دهراً طويلاً، المدارس العلمانية؛ مدارس التساهل والاتحاد والسلم التي يجتمع على مقاعدها الموسوي والعيسوي والمحمدي جنباً إلى جنب، فيتعلمون كيف يحب بعضهم بعضاً، ويخادع بعضهم بعضاً، ويتضارسون»!
ولا نعلم كيف يحب بعضهم بعضاً مع أنه مطلوب منهم أن يخادع بعضهم بعضاً، وأن يتطاحنوا إلى حد عض بعضهم بعضاً!
الأب اليسوعي لويس شيخو، مسؤول التحرير في مجلة «المشرق» شن هجوماً عاتياً على تلك المدارس وعلى الفكرة التي تسعى إلى تحقيقها في مقالين:
المقال الأول كان عنوانه «المدارس العلمانية والأديان» نُشر في تلك المجلة بتاريخ 1 أغسطس (آب) 1910. والمقال الثاني كان عنوانه «لا يمكن ولا يجوز أن تكون المدارس علمانية بلا دين» نُشر فيها بتاريخ 1 سبتمبر (أيلول) 1910. وكان في المقال الأول وفي المقال الثاني قد حذَّر أبناء طائفته النصارى (هكذا سماهم. فتسمية المسيحيين هي التسمية السائدة عند الآباء المسيحيين الذين زاولوا الكتابة في عصر النهضة العربي وما بعد هذا العصر. وهي ليست كما يتوهم بعض المسيحيين وبعض المسلمين العلمانيين تسمية خاصة بالقرآن، وخصوصاً بالإسلاميين المحدَثين). وحذَّر المسلمين واليهود من خطر تلك المدارس وشرورها.
في خاتمة مقاله الأول، كان قد قال: «فلينظر العقلاء من الشرقيين صدق قول أرباب تلك المدارس بأن تعليمهم لا يمس الأديان، وليتحققوا من أن أساقفة فرنسا عملوا بكل حكمة وصواب على تحريم كتب بایو وزملائه التي ألَّفوها للمدارس العلمانية، لنقض كل دين؛ لا بل قاموا بأهمِّ واجباتهم؛ إذ رذَّلوها وشجبوها، جازاهم الله خيراً، وصان بلادنا من الكفر».
في مقاله الثاني واصل هجومه العاتي على هذه المدارس. وفي صدر المقال تصدى للرد على أطروحة البعثة العلمانية الفرنسية، بأن التعليم عندها مستقل عن التعليم الديني؛ لكنه في الوقت نفسه محايد إزاءه، فلا يشكك فيه ولا ينابذه. فقال في ردِّه: «أولاً، إن المدارس العلمانية لمجرد استقلالها عن التعليم الديني هي معادية –ضرورة– للدين. أعني أنه لا يمكن مطلقاً أن تتجرد المدرسة من الدين دون أن تعاديه. وثانياً، إذا افتُرض أن مدرسة يمكنها الحياد عن الدين تماماً، فلا يجوز لها ذلك –نظرياً وأدبياً– وإن فعلت اقترف أصحابها إثماً كبيراً».
وللمقارنة أشير إلى أنه على الضفة الإسلامية، كتب في مجلة «المنار» لصاحبها الشيخ رشيد رضا، صالح مخلص رضا (شقيقه الأصغر) خبراً عن صدور كتاب الكلية العلمانية الفرنسية السنوي، وتزامن نشره مع تاریخ نشر مقال لويس شيخو الثاني.
هذه الكلية من مدارس البعثة العلمانية الفرنسية. وقد فتحت أبوابها رسمياً للبنين والبنات في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1909، بدعم من وزارة التعليم الفرنسية، وأرسلت لها أساتذة فرنسيين متخصصين في علوم غير دينية مختلفة، وتركت تدريس اللغة العربية واللغة التركية لأساتذة عرب.
هذه الكلية كانت ثاني مدرسة بعد مدرسة سلانيك.
التعريف بالكلية استمده صالح مخلص رضا من كتابها السنوي الذي كانت قد أهدته لمجلة «المنار» ومجلة «المشرق»، ولغيرهما من المجلات والصحف العربية في ذلك الزمن.
وقد علَّق صالح مخلص رضا بعد خاتمة الخبر الذي كتبه، قائلاً: «فهل يعتبر أهل البلاد ومن بيدهم زمام الأمور ويعلمون بأنهم أولى من أولئك الإفرنسيين بترقية البلاد وآداب الشرق، وأنهم إن لم يسبقوا إلى ذلك سبقهم القوم العاملون، وأن إهمال المعارف واللغة والآداب مضيعة للجامعة القومية وتفريق للعناصر الوطنية، ولو أنشئ في كل بلد وكل قرية نوادٍ باسم اتحاد العناصر أو الاتحاد والترقي؟».
كلمة «اتحاد» وكلمتا «الاتحاد والترقي»، تحيل إلى جمعية «الاتحاد والترقي». وكان الشيخ رشيد رضا متحمساً للانقلاب العثماني الثاني الذي دبرته جمعية «الاتحاد والترقي»، بالتعاون مع جمعية «تركيا الفتاة» والذي ترتب على نجاحه خلع السلطان عبد الحميد الثاني في 27 أبريل (نيسان) عام 1909، مع أنه قبل خلعه كان يُظهر مناصرته والطاعة له؛ لكنه ما لبث أن عارض سياسة حكومة «الاتحاد والترقي» لأسباب عدة، وأسَّس مع آخرين حزب «اللامركزية العثماني» عام 1912.
موقف الشيخ رشيد رضا الهاش الباش بالكلية العلمانية الفرنسية الذي عبَّر عنه شقيقه الأصغر صالح مخلص رضا تغيَّر بعد نشره في مجلة «المنار» رسالة وجهها له محمد نجيب حفار الذي عرَّف رشيد رضا به بأنه «من أهل العلم في طرابلس الشام».
الشيخ رشيد رضا عقَّب على هذه الرسالة بسخط وغضب على المدارس العلمانية.
وفي صدد المقارنة بين هجوم الأب لويس شيخو وهجوم الشيخ رشيد رضا على المدارس العلمانية، أشير بادئ ذي بدء إلى أن كليهما كان يتكئ على مقولات نقد أنصار عودة الملكية وعودة نفوذ الكنيسة الكاثوليكية، المناهضين للنظام الجمهوري، وللعلمانية سواءً أكانت هذه العلمانية صلدة قاسية أم علمانية لدنة ليِّنة. وللحديث بقية.
