د. آمال موسى
وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة في تونس سابقاً وأستاذة جامعية مختصة في علم الاجتماع، وشاعرة في رصيدها سبع مجموعات شعرية، ومتحصلة على جوائز مرموقة عدة. كما أن لها إصدارات في البحث الاجتماعي حول سوسيولوجيا الدين والتدين وظاهرة الإسلام السياسي.
TT

الجامعات في مأزق!

استمع إلى المقالة

من الخصائص البنيوية للحقل الجامعي أنه يظل دائماً حيزاً محافظاً وشاهق الأسوار، نادراً ما يطرح معضلاته ومشكلاته العميقة بصوت عالٍ في الفضاء العام. ولعل هذا الانكفاء يعود أساساً إلى طبيعة المؤسسة الأكاديمية، التي لا تتعامل بمرونة كافية أو سرعة مطلوبة مع التحديات الطارئة والمستحدثة.

واليوم، يبرز الغش الأكاديمي كأحد أكبر التحديات المصيرية التي تواجه الجامعات على الصعيد العالمي؛ إذ إن الثورة التكنولوجية الراهنة في مجال الاتصال والتواصل لم تعد تخدم دائماً التوغل الأعمق والأشمل في المعرفة فحسب، بل أصبحت أداة للالتفاف عليها.

وفي هذا السياق، ترصد المحافل الجامعية الدولية حالات غش نوعية وغير مسبوقة تاريخياً، حيث تحول الأمر من مجرد محاولات فردية بدائية إلى معضلة هيكلية منظمة ومشفوعة بأدوات الذكاء الاصطناعي، والتقنيات اللاسلكية الدقيقة، وصولاً إلى النظارات الذكية.

إن هذا الخطر الداهم يمثل مساساً مباشراً بنزاهة الشهادات العلمية، واعتداءً صارخاً على مصداقية النجاح والاستحقاق؛ الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى إفراغ المؤسسة الجامعية من هيبتها الرمزية وقداسة وظيفتها المعرفية. ورغم الخطورة البالغة لظاهرة الغش وتداعياتها المتشعبة، فإن النقاش الأكاديمي حول هذه المعضلة لا يزال شحيحاً وخافت النبرة، مدفوعاً بقلق المؤسسات من تدهور سمعتها وصورتها الاعتبارية، وخوفاً من تراجع القيمة العلمية لشهاداتها في سوق الشغل.

والملاحظ هنا أن حالات الغش التي تشهد تزايداً مطرداً (سواء في إعداد العروض البحثية، أو مشاريع ختم الدروس، أو حتى في أطروحات الماجستير والدكتوراه) بات يُتعامل معها مع الأسف كأمر واقع، وتخضع لعمليات التقييم وإسناد الدرجات. نلحظ تزايد هذه الظاهرة رغم المحاولات الجادة لتسخير آليات التعامل الصارمة مع حالات الغش في الامتحانات الكتابية الحضورية، من خلال تكنولوجيا مضادة للتشويش وقطع الاتصال عن الأجهزة الدقيقة داخل القاعات.

ومن أبرز الشواهد الدولية المتداولة في هذا الصدد، ما حدث في واقعة شهيرة بجامعة «كورنيل» الأميركية؛ حيث نجح أستاذ مادة التاريخ في إيقاع 91 في المائة من طلابه في فخ الانتحال الأكاديمي، بعدما أدرج تعليمة خفية (مكتوبة بخط أبيض غير مرئي للعين المجردة) داخل ملف الامتحان، تأمر برمجيات الذكاء الاصطناعي بإدراج كلمات عشوائية مقحَمة، مثل كلمة «مدغشقر»، لينتهي الأمر بوجود هذه الكلمة الغريبة في إجابات معظم الطلاب الذين اتكلوا على الآلة.

تؤكد هذه الحادثة وجود مشكلة بنيوية خطيرة تتقاسمها الجامعات عالمياً، وليست مؤسساتنا التعليمية العربية في معزل عنها، بل إنها من أكثر الأطراف تضرراً منها.

وبما أن هذه الأزمة تمسّ جوهر النزاهة العلمية التي تشكل مبتغى الطالب ومبرِّر وجود الجامعة، فإن مواجهتها تستوجب سحب البساط من تحت أقدام التكنولوجيا، وقطع الطريق على المقاربات التواكلية التي تراهن على الزيف لتحقيق النجاح.

ولعلَّ بنات وأبناء الأجيال السابقة يتذكرون جيداً القيمة الاعتبارية والمعرفية الكبرى التي كانت تحظى بها الامتحانات الشفوية في المنظومة الجامعية، وكيف كانت تشكل صمام أمان يحمي كثيراً من الطلبة المجتهدين من عواقب التقييمات الكتابية الجافة.

إن نظام الامتحانات الشفوية يتيح للهيئة التدريسية قياس عمق الفهم الحقيقي، والوقوف بدقة على مستويات المعرفة، فضلاً عن دورها الجوهري في تدريب الطالب على مهارات التعبير، والإقناع، واستحضار الحجج والمسوغات المعرفية المرتبة منطقياً.

وبذلك، يتحول الاختبار الشفوي إلى تمرين اتصالي وتواصلي رفيع يُعِدّ الطالب بامتياز لسوق العمل ولتحديات الحياة المهنية؛ إذ إن الإجابة المباشرة عن سؤال الأستاذ تحفز كفايات الطالب الذاتية، وتدفعه لتقييم واقعي وحقيقي لرأسماله المعرفي.

وفي الواقع، يشهد الفضاء الأكاديمي العالمي اليوم يقظة فكرية وتصحيحية نوعية، يتجلى أبرز مظاهرها في العودة القوية والمتسارعة لنظام الامتحانات الشفوية المباشرة والحضورية في كبريات الجامعات بالولايات المتحدة الأميركية، وبريطانيا، وإسبانيا، وأستراليا. وفي المقابل، لا تزال جامعاتنا العربية تتردد في اتخاذ هذا القرار الاستراتيجي بالعودة إلى الاختبارات الشفوية، وكأن العقل الأكاديمي لدينا بات عاجزاً عن استنباط وسائل دفاعية تحمي مصداقية المعرفة والتعليم.

ختاماً، فإن الامتحانات الشفوية، بكل ما تتطلبه من جهد ماراثوني تظل تجربة ذات متعة خاصة وأثر عميق في مسيرة الطالب. إنها لبنة أساسية في تشكيل ذاكرة المسار الجامعي، وأداة حاسمة تضمن صقل شخصية الطالب، وتطوير مهاراته الذاتية، وصون قيمة العلم من الابتذال.