لعل مَن درَس مفهوم «الجغرافيا السياسية» منذ أطلق مصطلحه وفسره المفكر السويدي رودولف كيلين، الذي وصف الدول بـ«الكائن الحي» الذي ينمو ويتوسع... يعرف لماذا وُظِّف المكان في الصراع، ويعرف أن مفاتيح اللغز تكمن في المواقع الاستراتيجية، ومنها الممرات المائية، والموارد الطبيعية من غاز ونفط وذهب ومعادن. ورغم أن الجغرافيا ثابتة والسياسة متغيرة، فإن عالم اليوم قلب «معادلة المكان والسياسة».
الجغرافيا اليوم هي محرك صراعات العالم، وهي توظَّف سياسياً. وتتغير السياسة بتغير المكان... فالرئيس الأميركي، دونالد ترمب، يتنقل من كندا وغرينلاند، إلى مضيق هرمز، ويحاول رسم جغرافيا جديدة للعالم.
بعد أن نشر ترمب صورة مضيق هرمز وكتب عليها «أرض أميركية جديدة»، في إشارة إلى أن المضيق سيكون تحت سيطرة الولايات المتحدة، عدّ البعض هذا الأمر مزحةً من الرئيس الأميركي الذي يخلط الجد بالهزل في كثير من تغريداته. إلا إن البعض الآخر وقف عندها في قراءة لمفهوم «الجغرافيا السياسية (الجيوبوليتيك)»، وهي تصريحاتٌ عندهم لا يمكن القفز عليه بوصفها تصريحات غير واقعية، خصوصاً أن منطقة المضيق تشهد توتراً شديداً مع الحرب الأخيرة التي لم تضع أوزارها بعد.
مضيق هرمز ممر مائي دولي، وليس إيرانياً. كما أنه ليس ممراً أميركياً، إذ تفصله عن أميركا بحار ومحيطات.
مطالبات ترمب بضم مضيق هرمز وجعله «أرضاً أميركية» تأتي بعد سلسلة مطالبات سابقة تستخدم معادلة تغيير الجغرافيا السياسية، ومنها مطالبات بضم غرينلاند وكندا، وهي دعوات ليست حديثة؛ بل تعود إلى القرون الأولى من تأسيس الولايات المتحدة ومحاولة الاستيلاء على مقاطعة كيبيك، بوصفها أول حملة عسكرية خلال فترة الحرب الثورية الأميركية، بعد سلسلة من الحروب بين كندا والولايات المتحدة عبر التاريخ رسمت الحدود الحالية بينهما، ونتيجة لحرب عام 1812، التي ضمنت بقاء كندا مستقلة عن الولايات المتحدة، رغم أن كندا العليا والسفلى توحدتا في عام 1840 تحت اسم «مقاطعة كندا». ويعيش 90 في المائة من سكان كندا داخل الشريط الأخضر على الحدود مع الولايات المتحدة الأميركية.
ترمب يحاجج بأنه «إذا اندمجت كندا مع الولايات المتحدة، فلن تكون هناك تعريفات جمركية، وستنخفض الضرائب بشكل كبير، وستكون كندا آمنة تماماً من تهديد السفن الروسية والصينية التي تحيط بها باستمرار».
الدعوات إلى ضم كندا، أو حتى غرينلاند التابعة للدنمارك، أو قناة بنما، تعدّ سابقةً في العرف السياسي، رغم أن ترمب طالب بالاستفتاء في كندا لتصبح الولاية الأميركية رقم «51»، حيث قال: «معاً... يا لها من أمة عظيمة سنشكلها».
قد يتفهم البعض محاولة ضم غرينلاند أو قناة بنما؛ نظراً إلى موقعيهما الجيوسياسي المؤثر على الأمن القومي الأميركي، مع رفض فكرة شراء الجزيرة أو القناة، ورغم تذرع الرئيس ترمب بأن ذلك يأتي «لأغراض الأمن القومي والحرية في جميع أنحاء العالم»، وبأن «الولايات المتحدة تشعر بأن امتلاك غرينلاند والسيطرة عليها ضرورة ملحة».
الحجة المعلنة لضم غرينلاند أو شرائها تبدو واقعية من الناحية اللوجستية عسكرياً وأمنياً، وكذلك قناة بنما، ولكن تبقى محاولة ضم مضيق هرمز ودولة بحجم كندا غير قابلة للتفسير بشكل واقعي ومقبول في عالم اليوم.
فـ«المادة 42» من «لائحة لاهاي لعام 1907» تقول: «تعدّ الأراضي محتلة عندما توضع فعلياً تحت سلطة الجيش المعادي، ويمتد الاحتلال فقط إلى الأراضي التي تم تأسيس هذه السلطة فيها وأماكن ممارستها».
صحيح أن الدول وجغرافيتها وحدودها تتغير، فقد تختفي كيانات كما اختفى الاتحاد السوفياتي والاتحاد اليوغوسلافي وانقسم السودان، وتتحد كيانات، مثل اليمن وألمانيا، وتظهر دول جديدة، لكن هذا لا يمكن أن يبرر أي نوع من الاحتلال لأراضي الغير.
مضيق هرمز ممر مائي دولي، وليس إيرانياً كما تحاول إيران صبغه وضمه للجغرافيا الإيرانية؛ في مخالفة صريحة للجغرافيا الطبيعية وحتى السياسية، وليس ممراً أميركياً، وهو تفصله عن أميركا بحار ومحيطات.
إذن الحل لجميع المتحاربين في مضيق هرمز ومحيطه هو الجلوس للتفاوض، فقد ثبت أن الحرب، في جميع أحوالها، لا تُنهي أزمة سياسية.
