د. محمود محيي الدين
المبعوث الخاص للأمم المتحدة لأجندة التمويل 2030. شغل وظيفة النائب الأول لرئيس البنك الدولي لأجندة التنمية لعام 2030، كان وزيراً للاستثمار في مصر، وشغل منصب المدير المنتدب للبنك الدولي. حاصل على الدكتوراه في اقتصادات التمويل من جامعة ووريك البريطانية وماجستير من جامعة يورك.
TT

في انتظار «جاكسون هول»

استمع إلى المقالة

من أفضل ما كُتبَ في غرائب الانتظار تلك المسرحية الشهيرة «في انتظار جودو» للكاتب الآيرلندي صمويل بيكيت؛ حيث ينتظر رجلان شخصاً يدعى جودو، ولكنه لا يأتي أبداً. وكل يوم يأتي طفل صغير فيقول: «جودو لن يأتي اليوم، لكنَّه سيأتي غداً». لا يعرف الرجلان من هو جودو ولا لماذا ينتظرانه، ولا متى سيأتي. ومع ذلك يتظاهر الرجلان، الجالسان بجوار شجرة عارية على طريق مهجور بأنَّ للانتظار معنى، فيظلان على حالهما. فالفيلسوف الواقعي الهادئ فلاديمير يحاول أن يجعل للانتظار هدفاً، بقوله: «ما دُمنا انتظرنا جودو فلدينا موعد فنحن مهمون، أو أن أحداً سيهتم بنا». أما استراجون الملول المتعجل، فيردد كلمات تعبر عن ضجره بأن لا أحد يأتي أو يذهب؛ ويريد الرحيل، ولكنه لا يبرح مكانه أيضاً.

أما جاكسون هول فهو منتجع تم اختياره منذ 1982 لانعقاد الاجتماع الأهم للبنوك المركزية في شكل ندوة اقتصادية سنوية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بكانساس سيتي. وتعقد الندوة بانتظام في النصف الثاني من شهر أغسطس (آب) من كل عام بحضور محافظي البنوك المركزية الكبرى، ووزراء للمالية واقتصاديين متخصصين من 70 دولة بدعوة خاصة، وبتغطية إعلامية من خارج القاعات. وتنتظر الأسواق هذا الملتقى كل عام لتستشف منه توجهات السياسات النقدية والمالية.

وقد درج العرف أن يستخدم رؤساء البنك الفيدرالي هذه الندوة لعرض توجهاتهم صراحة، أو ما يمكن أن يستشف من كلماتهم من توجهات. فقد أعلن بن برنانكي من خلال هذه الندوة في عام 2010 عن إجراءاته للتيسير الكمي. وفي 2022 صرح جيروم باول عن إجراءات التشديد النقدي وما سيصاحب ذلك من ألم، وهو ما خفض البورصات بمقدار 3.5 في المائة في يوم واحد. ثم في 2024 صدرت إشارات باول بتخفيض الفائدة، وبعدها تبين له في عام 2025 أن الخوف من البطالة والركود أصبح أكبر من الخشية من التضخم بإنهاء - جاء متأخراً - لدورة التشديد.

وقد تم اختيار موضوع «الابتكار المالي وآثاره على نظم المدفوعات وسياساتها»، وهي أول مرة يحتل هذا الأمر اهتماماً يجعله في صدارة النقاش. والدافع لذلك هو تنامي دور الرقمنة والمشفرات في المعاملات النقدية والمالية، بما في ذلك تطور دور العملات المستقرة والأصول المالية المشفرة وما ينتظر منها خاصة بعد تفعيل «قانون جينيوس» الأميركي الذي صدر في عام 2025، ليبدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2027، بما يمنح لأول مرة الإطار القانوني للعملات المستقرة والمشفرات إصداراً وتعاملاً. وفي يوم الجمعة المقبل، سيلقي الرئيس الجديد كيفين وارش كلمته بعد أسابيع من توليه منصبه واجتماعين برئاسته للبنك الأكبر تأثيراً على الصعيد العالمي.

ولكن ما حدث في الأيام السابقة من تطورات في الأسواق المالية وتقلبات حادة في سوق السندات مصاحبة بمحاولات لم تحقق أهدافها بعد، يجعل الأسواق في حالة ترقب، مع تواتر حديث عن أزمة هيكلية، وفي الأساس لن تعالجها إجراءات مقصورة على الأدوات النقدية. فمن المحاولات ما كان لتسكين سوق الصرف للين الياباني بتدخل السلطات الأميركية لمساندة الين ببيع اليورو، حتى لا تلجأ اليابان لبيع سندات أميركية فيزيد سعرها انخفاضاً، فيطالب الدائنون بأسعار أعلى للفائدة لشرائها؛ ولم تسفر هذه المحاولة إلا في شراء بعض الوقت فهي لم تصلح مسببات الاختلالات، وأهمها ارتفاع الديون وممارسات تجارة الديون.

فضلاً عن محاولات أخرى مفاجئة من قبل الخزانة الأميركية لمساندة سوق السندات طويلة الأجل بإعادة شرائها مباشرة حتى لا تزداد مطالبات المستثمرين، أو بالأحرى الدائنين، لرفع أسعار الفائدة، على غير رغبة الإدارة الأميركية في تخفيض أسعار الفائدة سعياً لترويج الطلب ومساندة القطاع العقاري. وهذا الإجراء أيضاً يمكن وصفه في إطار محاولات بدت متعجلة إرجاء الأزمة وليس حلها بالتصدي لمسبباتها؛ من ارتفاع لعجز الموازنة، وتحليق الدين العام الأميركي لنحو 40 تريليون دولار، بتكلفة هي الأعلى منذ 19 عاماً.

ويأتي ملتقى «جاكسون هول» في أجواء حرب أثرت سلباً على أسعار الطاقة وسلع رئيسية، وحرب أخرى تجارية بسبب التعريفة الجمركية كانت آخر معاركها مع كندا، مع ترقب لانتخابات نصفية للكونغرس. كما يأتي الملتقى، وهدفه الأساسي هو الحوار وتوضيح السياسات وعلاقتها بالأسواق، مع انزعاج المستثمرين من فاعلية تواصل الإدارة الاقتصادية الممثلة في البنك الفيدرالي ووزارة الخزانة ومصداقيتها، خاصة بشأن قدرتها على السيطرة على التضخم الذي بلغ 3.4 في المائة متجاوزاً هدفه المعلن بمقدار 2 في المائة، مع توقعات في مسح أجرته صحيفة «فايننشال تايمز» من خلال جامعة شيكاغو، بأن الفيدرالي سيستغرق وقتاً أطول لاحتواء التضخم تحت إدارة وارش. ويبدو أنه يحتاج لإقناع الأسواق والاقتصاديين برأيه عن أثر الذكاء الاصطناعي الإيجابي على التضخم والنمو، والأهم: كيف سيتحقق هدف التضخم مع التدهور في أوضاع الديون والمالية العامة؟

دفاعاً عن تثبيته لسعر الفائدة، يرفض وارش وصف القرار بأنه مجرد توقف عند وضع، ويطلق على هذه الفترة بأنها «فترة تفكير يقظ وليست فترة انتظار متمعن». وسواء كانت فترة تفكير أو مجرد انتظار فالأسواق تختبر مصداقية الإدارة وتسعر السندات على أساسها، وهي تفتقد ما اعتادت عليه من قبل من إشارات التوجيه المبكر للفيدرالي؛ إذ لا يوجد ما يعوض الإشارات بإطار مقنع للسياسات الاقتصادية يتجاوز تسويف الأزمات.

وعودة لانتظار جودو؛ إذ قال استراجون المتعجل: «لا يمكن الاستمرار هكذا!»، فرد عليه فلاديمير الهادئ بقوله: «هذا ما تظن!».