كفاح محمود
TT

كردستان بين صُنّاع الحرب وصُنّاع السلام

استمع إلى المقالة

لم تكن كردستان، في أي مرحلة، طرفاً في الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، ومع ذلك وجدت نفسها مرة أخرى في مرمى صواريخ ومسيّرات إيران ووكلائها. وإذا كانت طهران قد قدمت في كل مرة ذريعة مختلفة لقصف كردستان، فإنَّ الحربَ الأخيرة كشفت أنَّ المشكلة ليست في الذريعة، بل في حاجة إيران الدائمة إلى إيجاد ساحات خارجية لتصدير أزماتها.

بدأت الذرائع بوجود الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة في كردستان، ثم تطورت إلى الحديث عن قواعد أميركية، وصولاً إلى الادعاء بوجود الموساد، والإسرائيليين، لكن المفارقة التي كشفتها الحرب أن إسرائيل لم تكن بحاجة إلى كردستان كي تصل إلى العمق الإيراني؛ فقد تمكنت من اختراق المؤسسة الإيرانية، واستهداف قياداتها، إلى درجة أظهرت معها الحرب أنَّ طهران كانت تواجه اختراقاً أمنياً عميقاً داخل حدودها، ومؤسساتها.

والأكثر دلالة أنَّ المعلومات التي كُشف عنها أخيراً حول قناة الاتصال السرية بين واشنطن وطهران تضع كردستان في موقع مختلف تماماً عن الصورة التي تحاول طهران تقديمها. فقد كشفت تقارير صحافية أنَّ إدارة الرئيس دونالد ترمب، عندما واجهت صعوبة في معرفة ما إذا كان المفاوضون الإيرانيون يمثلون فعلاً أصحاب القرار داخل الحرس الثوري، لجأت إلى رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، لما يتمتع به من علاقات وثقة لدى الطرفين، ومن خلاله جرى التواصل مع قيادة الحرس الثوري للتحقق من موقفها من الفريق الإيراني المفاوض.

هنا تظهر المفارقة بأوضح صورها: المكان الذي تتهمه طهران بأنَّه منصة للعداء ضدها، أصبح، في لحظة الحرب، قناة للتواصل معها من أجل البحث عن طريق إلى التفاوض والسلام. ولعل هذه الواقعة تفسر جانباً من القناة السرية التي تحدث عنها ترمب، كما تكشف في الوقت نفسه عمق الأزمة داخل بنية القرار الإيراني. فحين تعجز قوة عظمى عن معرفة من يملك القرار الحقيقي في الدولة التي تتفاوض معها، فهذا يعني أن المشكلة لم تعد مجرد خلاف بين حكومتين، وإنما هو صراع داخل منظومة الحكم نفسها، وقد جاءت الاستعانة ببارزاني، وفق هذه الرواية، بوصفه شخصية قادرة على التواصل مع مراكز القرار المختلفة، لا بوصفه طرفاً في الحرب.

أما القصف الإيراني المتكرر على كردستان، فلا يمكن فصله عن استراتيجية أوسع تقوم على توسيع دائرة المواجهة كلما اشتد الضغط على الداخل الإيراني. فبدلاً من مواجهة الأسئلة المتعلقة بالاقتصاد، والخدمات، والمعيشة، وتراجع الثقة السياسية، يصبح الخارج ساحة لتعبئة الرأي العام، وصناعة عدو دائم. ولهذا لم تقتصر الهجمات على كردستان، بل امتدت إلى دول الخليج، وممرات الملاحة، وساحات أخرى مرتبطة بالنفوذ الإيراني.

كردستان، في هذا السياق، ليست مجرد هدف عسكري، إنها أيضاً هدف سياسي، واقتصادي. فنجاحها النسبي، واستقرار مدنها، وانفتاحها على الاستثمار، وتحولها إلى ملاذ للعراقيين، ورجال الأعمال، والصحافيين، والناشطين، كل ذلك يجعلها نموذجاً مختلفاً داخل عراق مضطرب، ولذلك فإنَّ ضربها لا يستهدف منشأة عسكرية فحسب، بل يستهدف صورة البديل الممكن. وقد وثقت جهات مستقلة مئات الهجمات الإيرانية وهجمات الفصائل المرتبطة بها على كردستان منذ اندلاع الحرب، شملت المسيّرات، والصواريخ، والقصف المدفعي، واستهدفت قواعد ومواقع أميركية، ومقار أحزاب كردية إيرانية، ومناطق مدنية، كما استهدفت مؤخراً مسيّرتان إيرانيتان مكتب رئيس حكومة كردستان، في تصعيد جديد لم يسفر عن ضحايا. لكن السؤال الأوسع يتجاوز كردستان إلى العراق كله، فإذا مضت الضغوط الدولية والإقليمية باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة، فهل تستطيع الدولة العراقية احتواء المرحلة المقبلة من دون أن تنفجر مواجهة داخلية؟ وهل ستقبل القوى المرتبطة بإيران بخسارة نفوذها وسلاحها؟

أم إن العراق سيدخل مرحلة جديدة يعاد فيها رسم توازناته السياسية، والأمنية؟

وفي هذه اللحظة تحديداً، قد تصبح كردستان جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة، فهي، بحكم موقعها وعلاقات قيادتها الدولية والإقليمية، أثبتت أن بإمكانها أن تكون جسراً حين تنقطع الجسور، وهذا ما ظهر بوضوح في الاتصالات الأميركية-الإيرانية السرية، كما ظهر في أدوارها المتكررة في تهدئة أزمات المنطقة.

أما إيران، فإنَّ استمرارها في توسيع دائرة الحرب لن يحل أزماتها الداخلية، فالقصف قد يصنع ضجيجاً مؤقتاً، لكنه لا يبني اقتصاداً، ولا يوفر الخدمات، ولا يعيد الثقة، ولا يعالج أزمة الحكم، وكل صاروخ يسقط على كردستان أو الخليج قد يخفف الضغط عن طهران لساعات، لكنَّه يضيف إليها خصوماً، ويعمق عزلتها على المدى الأبعد.

لقد اختارت كردستان، رغم كل ما تعرضت له، أن تكون مساحة للحوار، لا منصة للحرب؛ وأن تستخدم علاقاتها من أجل فتح الأبواب المغلقة، لا لإغلاقها.

بعد أكثر من ألف طائرةٍ مسيّرة وصاروخ قصفت بها إيران ووكلاؤها كردستان، هل سألوا أنفسهم يوماً: ماذا حققوا؟

ربحوا الكراهية، فيما ربحت كردستان، رغم آلامها، محبة الجميع.