حازم صاغية
مثقف وكاتب لبناني؛ بدأ الكتابة الصحافية عام 1974 في جريدة «السفير»، ثم، منذ 1989، في جريدة «الحياة»، ومنذ أواسط 2019 يكتب في «الشرق الأوسط». في هذه الغضون كتب لبعض الصحف والمواقع الإلكترونية، كما أصدر عدداً من الكتب التي تدور حول السياسة والثقافة السياسية في لبنان والمشرق العربي.
TT

انتصار نتنياهو وهزيمته...

استمع إلى المقالة

بين مشاكله الكثيرة، ربّما كانت مشكلة نتنياهو الأكبر إيمانه بحلّ الأزمات والصراعات مرّةً وإلى الأبد. والحال أنّ ما من شيء يُحلّ مرّة وإلى الأبد. أمّا الثوريّون، المؤمنون منهم والملاحدة، فهم وحدهم من يعتقدون بإمكانيّة كهذه.

والثوريّة، في هذا الاستخدام، لا تملك أيّة حمولة إيجابيّة من النوع الذي لطالما أُسبغ عليها. فالمقصود بالتعبير، هنا، خمسة معانٍ:

- الانقلاب الشامل على معطيات تكوينيّة صلبة، كالأرض والسكّان.

- وافتراض مصادرة الزمن، لا سيّما المستقبل، ولكنْ أيضاً الماضي، من خلال فعل إراديّ.

- والاستهانة بالكلفة الإنسانيّة والاقتصاديّة والمعنويّة التي يتطلّبها مشروع هيوليّ كهذا، واعتبارها أقلّ من كلفة الحلول السياسيّة والدبلوماسيّة.

- واستبطان صورة تستلهم الفضيلة من ماضٍ ما، ماضٍ يصفه محبّذوه بأنّه كان أكثر تعبيراً عن واقع الحال أو أكثر عدلاً أو أكثر امتلاكاً للقوّة. والماضي، في هذه الحال، هو زمن التمدّد الاستعماريّ والاستيطانيّ.

- والظنّ بأنّ اجتراح العمل الثوريّ يُدخل صاحبه التاريخ من أبواب عريضة، ويطرد سواه منه بإحالته إلى «مزبلته» أو مكان من هذا القبيل.

ورؤية العالم بهذه العدسة الصافية التي لا يتخلّلها لونٌ وسيط بين ألون حادّة، تُبعد إمكانيّة المغامرة ودخول التجربة التي لم تُحسم نتائجها سلفاً، وتلغي الرهان على تحوّلات بطيئة قد تفيد في آخر المطاف، أو على إجراء تغييرات ذاتيّة ربّما حسّنت العلاقة باللاعبين الآخرين.

فالمشكلة، تبعاً للثوريّ، ليست ما يظهر على السطح، بل هي نتاج نظام بأكمله، نظامٍ شيطانيّ عند المؤمن، ورأسماليّ أو رجعيّ أو غير ذلك عند غير المؤمن. وبالتالي هناك «جذر» لا بدّ من استئصاله بدل الاكتفاء بتشذيب الأغصان. وهكذا فإنّ المشكلة لا يحلّها إلاّ إحداث قطع في التاريخ، وما التاريخ نفسه، في آخر الأمر، إلاّ جملة قطائع.

أمّا من يتوهّم حلّ المشاكل بالتسوية فلا يدرك، بحسب الثوريّ، أنّه يعيد صناعتها بأشكال أخرى. هكذا تكتسب أوصاف كـ«تسوويّ» و«إصلاحيّ» ومُحبّ لـ«أنصاف الحلول» مضامين رديئة، إذ تعجز عن أن تزيل الغموض والحيرة والتلبّد واختلاط الأشياء. فإذا كان ضعفه الحاليّ ما يمنعه من اجتثاث تلك «العوارض»، ويدفعه إلى القبول بحلول مرحليّة، فهو سـ«يحسم الأمر» بمجرّد أن يقوى ويتمكّن.

ونزعة «الحسم» الجذريّ حيال الشرّ أو الخطيئة أو الانحراف أو الخطأ، هي الأمّ الولاّدة للقتل والاستئصال، وصولاً إلى أفكار جهنّميّة كـ«الحلّ النهائيّ» والغولاغ والإبادة، وهذا من مستلزمات كلّ وعي أقصى، يمينيّاً كان أم يساريّاً، دينيّاً أم ملحداً.

وبعد فظاعة «طوفان الأقصى» و«حرب الإسناد»، والانفجار الثوريّ الإسلاميّ والإيرانيّ المدمّر، اختار نتنياهو المداواة بالداء نفسه، أي إنهاء المشكلة مرّة وإلى الأبد، متجاوزاً حقّ الدفاع عن النفس ضدّ «حماس» و«حزب الله» وأضرابهما إلى عمل إباديّ يجتاح في طريقه كلّ شيء حيّ. فالقتال يُخاض على الجبهات جميعاً، بينما السياسة مُقصاة ومُستبعَدة، وهو شخصيّاً لا رغبة لديه ولا مصلحة في التسويات. هكذا وجد التقليدُ القوميّ الجابوتنسكيّ ما يعزّزه في التكوين الشخصيّ والحسابات الانتخابيّة وتفادي المعضلات القانونيّة، بحيث لا تكون الحصيلة أقلّ من كارثة محضة. وليس هناك ما يستحضر الفهمَ الرؤيويّ للعالم أكثر من الكوارث التي يُقترح المزيد منها علاجاً للكوارث، فيتراءى أنّ أمن إسرائيل، بحسب أحد المراقبين، لا يقوم إلا على لا أمن المنطقة.

وإذا كان الثوريّ يشتهي الوضع الثوريّ ويدفع نحو إنضاجه، فهذا ما يفسّر التذبذب الذي يطرأ أحياناً على التحالف الصلب مع إدارة ترمب التي تفتقر إلى تماسك نتنياهو إنضاجاً للوضع الثوريّ ثمّ حسماً ثوريّاً له.

لكنّ شموليّة الكوارث واتّساعها يعنيان أنّ الدمار الذاتيّ مرشّح لأن يلي التدمير. وقد وثّقت المصوّرة الإسرائيليّة نوغا كالينسكي بالكاميرا أعمال التخريب والتحريق ممّا أنزله المستوطنون اليهود، وهم حلفاء نتنياهو، بأراضي القرى الفلسطينيّة وبيوتها. فحين تحدّثت إليها «هآرتس» عن تجربتها وصُوَرها قالت: هو «رعبٌ مُطلق. ما إن يندلع حريقٌ حتّى يفلت من السيطرة، ولذا أراه تهديداً وجوديّاً، بل أخطر من (حماس). سوف يُوجَّه هذا الحريق في نهاية المطاف ليس فقط ضدّ الفلسطينيّين، بل ضدّنا نحن الإسرائيليّين أيضاً، أوّلاً ضدّ مَن يُوصَفون بازدراء بـ(الفوضويّين)، ثمّ ضدّ كلّ مَن لا يتماشى مع رؤية عامّة متعصّبة ومسيحانيّة. لقد أحرق هذا العنف روحي».

وفي الفيلم الرائع «سيكون هناك دم» لمخرجه بول توماس أندرسون، تُروى قصّة دانيال بلينفيو، وهو رجل أعمال في صناعة النفط، مهووس بالسيطرة، حقّق انتصاراً كاملاً وضخماً على منافسه الواعظ إيلي صنداي. هكذا استدرج الأوّلُ الثاني إلى قصره وأذلّه ثمّ قتله، معتبراً أنّه بجريمته هذه لبّى رغبته الثمينة وختمَ القصّة أو بلغ نهايتها. لكنّ بلينفيو المنتصر عاش وحيداً في القصر، وتحوّل إلى مدمن كحول، غارق في جنون عظمته وكراهيته الآخرين. فانتصاره هو نفسه ختام قصّته وبلوغه نهاية طريقه الإنسانيّ. هنا، معه ومع نتنياهو، يغدو الانتصار والهزيمة شيئاً واحداً.