مرة أخرى، ينتهز رئيس الوزراء أندي بيرنهام عطلة البرلمان الصيفية لفرقعة إعلامية بالدعوة إلى دستور مكتوب. وبينما يشكو من مركزية السلطة في وستمنستر، مطالباً بصلاحيات أوسع للأقاليم، يتجه أسلوب حكمه إلى نمط أقرب إلى الرئاسي منه إلى البرلماني؛ إذ تتركز السلطة في يد رئيس الوزراء، وتعلن السياسات مباشرة لجمهور التلفزيون قبل مساءلة النواب للحكومة.
والاقتراح ليس جديداً. ناقشته لجان برلمانية وأكاديميون وسياسيون مراراً، لكنه يصطدم بحقيقة أساسية: بريطانيا لا تنتظر دستوراً مكتوباً.
فلديها دستور بالفعل؛ تطور عبر القرون من التشريعات والقانون العام والأعراف والسوابق والممارسة السياسية. فـ«الماغنا كارتا» لم تخترع الحريات الإنجليزية عام 1215، بل أقرت حقوقاً وقيوداً على السلطة تمتد جذورها إلى ما قبلها. كما تطورت المؤسسات التمثيلية من مجالس محلية سبقت البرلمان بصورته الحديثة.
وما يبدو للمنظّرين افتقاراً إلى الانتظام هو من مصادر قوة النظام. فالآلة التي عملت بكفاءة أجيالاً لا تفكك لمجرد وصول مهندس جديد. وإذا ظهر خلل، يمكن إصلاحه.
وسبقت بيرنهام تجارب توني بلير في تعديلات دستورية وصفها منتقدون بـ«التخريب الدستوري». فقد امتدت مخالب «التحديث الدستوري» إلى مؤسسات ومناصب سبقت رئاسة الحكومة نفسها بقرون.
منها اللورد المستشار، وهو مؤسسة بقدر ما هو منصب، يعود إلى قرون قبل نشوء رئاسة الحكومة الحديثة. فروبرت وولبول، أول رئيس وزراء فعلياً، كان رسمياً «اللورد الأول للخزانة». لكن دعاة التحديث عاملوا مؤسسات تراكمت وظائفها عبر القرون كشوائب في مخطط إداري، ليكتشفوا أن إلغاء المؤسسة لا يلغي وظائفها الدستورية.
والمنطق نفسه نقل الوظيفة القضائية لـ«اللوردات القضاة» (Law Lords)، أي لجنة الاستئناف في مجلس اللوردات، إلى المحكمة العليا للمملكة المتحدة عام 2005.
كان وجود أعلى قضاة البلاد بجانب المؤسسة التشريعية في وستمنستر يبدو شاذاً في كتب النظريات الدستورية. لكن الحقيقة البسيطة: النظام كان يعمل.
واستقلال القضاء اختبرته البلاد عبر القرون؛ فلم يتصور أحد أن وجود السلطة التنفيذية على الجانب الآخر من ردهة واحدة في وستمنستر يعني تدخلها في سير العدالة.
وبدا إنشاء المحكمة العليا للمملكة المتحدة، مظهرياً، فصلاً أوضح بين السلطتين، وأقرب إلى نظم الدساتير المكتوبة، وخصوصاً الجمهوريات.
وظهر الاختبار في معارك «بريكست». فسيدة الأعمال جينا ميللر، من مناهضي الخروج من الاتحاد الأوروبي، طعنت في حق الحكومة في تفعيل المادة 50 بلا موافقة البرلمان. وكسبت الحكم الأول أمام المحكمة العليا في إنجلترا وويلز، فوصفت الصحافة الشعبية القضاة الثلاثة بـ«أعداء الشعب»، قبل انتقال القضية إلى المحكمة العليا للمملكة المتحدة.
كان اللوردات القضاة جزءاً من البناء البرلماني التاريخي، يتمتعون بهيبة رسختها القرون. أما المحكمة المنفصلة فسهل تصويرها كقوة دستورية في مواجهة البرلمان.
وهنا نعود إلى بيرنهام، الذي يستشهد بالقانون الأساسي الألماني نموذجاً لتوزيع السلطات وتحقيق التوازن بين مناطق الدولة.
لكن القانون الأساسي الألماني ولد عام 1949 بعد هزيمة عسكرية وانهيار ديكتاتورية واحتلال، وللفيدرالية الألمانية جذور تاريخية تختلف عن تركيبة المملكة المتحدة.
ثم أسئلة بلا إجابة: من سيكتبه؟ وأي الأعراف يصبح قانوناً؟ وما السلطات المحصنة؟ وهل يستطيع برلمان مقبل تعديلها؟ وهل تستطيع المحاكم إبطال قانون أقره مجلس العموم؟ وفوق ذلك: من يقرر معنى الكلمات عندما يختلف البرلمان والحكومة والقضاء؟ فالدستور المكتوب لا يفسر نفسه.
وكلما تحولت القضايا السياسية إلى نصوص دستورية، انتقل الفصل فيها أكثر من السياسي المنتخب إلى القاضي. وهذا لا يخرج السياسة من النزاع الدستوري؛ بل ينقل ساحته.
وقوة الدستور البريطاني في قدرته على التطور. فعندما تكشف التجربة ثغرة، يصلحها البرلمان. وكما لا يخرج مشروع قانون مهم بالصورة نفسها التي دخل بها، تطور الدستور بالمناقشة والتعديل جيلاً بعد جيل.
بعد الحرب حمل المعماريون الجدد كرة الهدم إلى مباني القرنين السابقين باعتبارها من مخلفات الماضي، وأقاموا مكانها عمارة «حديثة» من الخمسينات والستينات. وبعد عقود كان كثير منها يتداعى أو ينتظر الهدم، بينما بقيت المباني الفيكتورية قائمة ومسكونة.
وعندما دمرت القنابل النازية قاعة مجلس العموم، أصر ونستون تشرشل على إعادة بنائها على هيئتها السابقة، رغم عدم اتساع مقاعدها لجميع النواب. فقد أدرك أن شكل المؤسسة نفسه جزء من طريقة عملها.
فالتحديث ليس مرادفاً للاستمرار، كما أن التجديد الدستوري ليس بالضرورة تقدماً. وإذا كان بيرنهام محقاً في مركزية السلطة، يستطيع البرلمان نقلها ومنح المؤسسات المحلية صلاحيات أوسع. هذا هو التطور الدستوري: إصلاح ما يحتاج إلى إصلاح، والبناء على ما ثبت نجاحه.
أما استخدام كرة الهدم في بناء تراكم عبر القرون، وافتراض أن جيلاً واحداً من السياسيين يستطيع تصميم بديل أفضل على الورق، فتراجع ديمقراطي، لا تقدم.
