كفاح محمود
TT

إيران... واستراتيجية المماطلة وتشتيت الجبهات

استمع إلى المقالة

لم يعد النظر إلى السلوك الإيراني في الشرق الأوسط من زاوية الأحداث المتفرقة كافياً لفهم ما يجري، فالتصعيد الذي تشهده ساحات متعددة، من الخليج إلى إقليم كردستان العراق وسوريا ولبنان واليمن، لا يبدو - في نظر كثير من المراقبين - مجرد ردود فعل متفرقة، بل هو جزء من مقاربة استراتيجية تقوم على مبدأ بسيط: كلما ازداد الضغط على طهران، اتسعت رقعة التوتر بعيداً عنها، فالجغرافيا، وفق هذه القراءة، ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لشراء الزمن.

خلال السنوات الأخيرة، تحولت المنطقة إلى مسرح متداخل للأزمات، فالملف النووي، والبرنامج الصاروخي، والنفوذ الإقليمي، وأمن الممرات البحرية، كلها باتت تتقاطع في معادلة واحدة، وكلما اقتربت المفاوضات أو الضغوط الدولية من مرحلة الحسم، برزت أزمات جديدة في أكثر من ساحة، بما يعيد ترتيب أولويات المجتمع الدولي ويخفف التركيز على الملفات الأساسية المتعلقة بإيران.

وفي هذا الصدد يرى محللون أن أحد أهم أهداف هذه الاستراتيجية يتمثل في تحويل الاهتمام الدولي من البرنامج النووي إلى إدارة الأزمات الإقليمية، فعندما تصبح الملاحة في الخليج أو البحر الأحمر، أو أمن الطاقة، أو استقرار الدول المجاورة، هي العناوين اليومية، يتراجع النقاش حول تخصيب اليورانيوم ومستقبل البرنامج النووي إلى مرتبة ثانية، ولو مؤقتاً، وبالنسبة إلى دولة تخوض مفاوضات معقدة منذ سنوات، فإن الوقت ليس عاملاً ثانوياً، بل أحد أهم عناصر القوة.

ولهذا يذهب بعض الخبراء إلى أن طهران تتعامل مع الزمن باعتباره مورداً استراتيجياً، فكل جولة تفاوض مؤجلة، وكل أزمة إقليمية تستحوذ على الاهتمام، تمنحها هامشاً إضافياً للمحافظة على قدراتها العلمية والصناعية والعسكرية، ومواصلة تطوير برامجها ضمن ما تسمح به الظروف السياسية والاقتصادية، سواء اتفق المرء مع هذا التفسير أم لا، فإن الثابت أن عامل الوقت ظل حاضراً في معظم محطات التفاوض بين إيران والغرب.

وفي المقابل، يبدو أن عدداً من دول المنطقة أدرك طبيعة هذه المعادلة، فدول الخليج، التي تعرضت خلال السنوات الماضية لاعتداءات وتهديدات طالت منشآت للطاقة وأمن الملاحة ومجالها الجوي، اختارت في معظم الأحيان سياسة تقوم على تعزيز الدفاعات، واحتواء التصعيد، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، وقد يفسر البعض هذا السلوك باعتباره حذراً، إلا أنه يمكن قراءته أيضاً بوصفه خياراً استراتيجياً يهدف إلى حرمان أي طرف من تحويل أراضي الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة.

وينطبق الأمر ذاته على الأردن، الذي تعامل مع التحديات الأمنية المحيطة به بمنطق الدولة الحريصة على حماية حدودها واستقرارها، من دون أن تنجر إلى توسيع دائرة المواجهة، كما أن إقليم كردستان، رغم ما واجهه من توترات أمنية وضغوط متكررة، حافظ على نهج يفضل الاحتواء السياسي والدبلوماسي، إدراكاً لحساسية موقعه الجغرافي وتعقيدات المشهد العراقي.

ومع تصاعد التوترات المرتبطة بأمن البحرين الأحمر والمتوسط، برزت مصر بوصفها طرفاً معنياً بحماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وقد عكست القاهرة، هي الأخرى، حرصاً على حماية مصالحها الاستراتيجية ومنع انتقال الصراعات إلى فضائها الوطني، من دون الانخراط في مواجهات توسع نطاق الحرب، وهكذا، فإن القاسم المشترك بين دول الخليج والأردن وإقليم كردستان ومصر كان السعي إلى تضييق مساحة الصراع، لا توسيعها.

لكن البعد العسكري ليس وحده محل الاهتمام، فثمة من يرى أن التحدي الأخطر يكمن في هشاشة بعض البيئات الداخلية في المنطقة، ففي دول تعاني انقسامات سياسية أو طائفية أو ضعفاً في مؤسسات الدولة كما الحال في اليمن والعراق ولبنان، تصبح الأزمات الخارجية أكثر قدرة على إنتاج أزمات داخلية، وهو ما يجعل بناء الدولة الوطنية وتعزيز المواطنة وسيادة القانون جزءاً أساسياً من منظومة الأمن القومي، وليس مجرد مشروع إصلاحي.

ويبقى سؤال آخر يفرض نفسه: لماذا بقيت تركيا وباكستان، حتى الآن، خارج دوائر التصعيد المباشر؟ قد يعود ذلك إلى خصوصية علاقات كل منهما مع إيران، وإلى توازنات جيوسياسية تجعل كلفة فتح جبهات جديدة مرتفعة على جميع الأطراف، غير أن الشرق الأوسط أثبت مراراً أن خرائط التوتر ليست ثابتة، وأن حسابات اليوم قد تختلف عن حسابات الغد.

أما السؤال الأكثر إلحاحاً، فيتعلق بالموقف الأميركي والأوروبي. فهل يهدف الغرب إلى حسم الصراع مع إيران، أم إلى إدارته ومنع انفجاره فقط؟ تختلف الإجابات، لكن كثيراً من المراقبين يرون أن إدارة الأزمات، مهما نجحت في تجنب المواجهة الشاملة، قد تمنح في المقابل جميع الأطراف مزيداً من الوقت لإعادة ترتيب أوراقها، وهو ما يجعل الصراع أكثر تعقيداً مع مرور الزمن.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: أين ستندلع الأزمة المقبلة؟ بل: من المستفيد من إطالة عمرها؟ فإذا كان الزمن يمثل مورداً استراتيجياً في حسابات الدول، فإن منع تحويله إلى أداة لتعميق الأزمات لا يقل أهمية عن منع اندلاع الحروب نفسها، وقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن الدول التي راهنت على التماسك الداخلي، وضبط النفس، وتغليب منطق الدولة على منطق الانفعال، كانت الأكثر قدرة على حماية استقرارها، مهما اشتدت رياح الإقليم.