د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث أكاديمي ليبي. أستاذ مشارك في جامعة بنغازي الليبية. مهتم بالكتابة في القضايا العربية والإسلامية، وكتب في الشأن السياسي الليبي والعربي في صحف عربية ومحلية؛ منها: جريدة «العرب» و«القدس العربي» و«الشرق الأوسط» اللندنية. صدرت له مجموعة كتب؛ منها: «رؤية الثورات العربية» عن «الدار المصرية اللبنانية»، و«الحقيقة المغيبة عن وزارة الثقافة الليبية»، و«ليبيا بين الفشل وأمل النهوض». وله مجموعة قصصية صدرت تحت عنوان «معاناة خديج»، وأخرى باسم «أيام دقيانوس».
TT

ليبيا... هل مبادرة بولس واقعية؟

استمع إلى المقالة

بعد فشل جميع المسارات السياسية التي قادتها الأمم المتحدة في إنهاء الانقسام أو إيصال ليبيا إلى الانتخابات، هل تصبح مبادرةُ مستشار الرئيس الأميركي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، مبادرةً واقعية لحل الأزمة الليبية المزمنة التعقيد؟ وهل هي مسار مختلف عن مسار البعثة الأممية لدى ليبيا؟

وإذ يؤكد السيد بولس أن مبادرته «مكمِّلةٌ تماماً» لجهود الأمم المتحدة، فإن بعض معارضيها يرونها مساراً مختلفاً عمّا تطرحه البعثة الدولية التي فشلت، حقيقةً، بجميع مبادراتها في إنهاء الانقسام السياسي في ليبيا؛ بدءاً من «الصخيرات» حتى «جنيف». ولهذا؛ يرى البعض أن المبادرة الأميركية، التي عرّابها السيد بولس، هي المبادرة «الأكثر واقعية» لحل الأزمة الليبية.

تقوم المبادرة الأميركية على توحيد الحكومة والمؤسسات السيادية؛ لضمان استقرار قطاع النفط، وتشجيع الاستثمارات الخارجية، مع فتح قنوات تعاون بين القيادات العسكرية والأمنية في الشرق والغرب الليبيَّين أثمرت خطوات مهمة وحقيقية على أرض الواقع، منها إقرارُ الموازنة الوطنية الموحدة لأول مرة منذ عام 2013، والمناوراتُ العسكرية المشتركة في مدينة سرت بإشراف «القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)»، التي ضمت في صفوفها قوات مشتركة من الشرق والغرب ضمن غرف عمليات مشتركة. عناصر التوافق والنجاح في المبادرة تعدّ متوافرة وقوية وفاعلة على الأرض، وتَلقى قبولاً شعبياً خصوصاً في شرق البلاد لجهة الثقة بمرشح القيادة العامة للجيش الليبي. وبالتالي يمكن للمبادرة الأميركية أن تكون أقرب المبادرات إلى إنهاء الجمود وإحياء المسار السياسي بعد موته سريرياً لمدة عقد ونيف، خصوصاً أن طرفَي المبادرة عنصران فاعلان حقيقيان في المشهد السياسي الليبي.

لكن مبادرة بولس، التي عنوانها «إعادة توحيد ليبيا»، قد تواجه مخاطر الرفض من قبل الإسلام السياسي وأتباعه، رغم أنها أكبر مبادرة واقعية قابلة للتطبيق في ظل توفر ظروف ميدانية تحقق لها النجاح، لكن التشويش عليها يأتي تحت عناوين وتساؤلات مختلفة غير واقعية، منها: هل مبادرة بولس تسوية حقيقية أم تقاسم جديد للنفوذ والموارد؟ مما يجعل تمريرها يواجه صعوبات عدة، رغم أن هذا التساؤل مردود عليه بأن تفاصيل المبادرة تؤكد أنها توحيد لأجسام سيادية منقسمة، منها الجيش والحكومة و«النفط» و«المركزي»، وليست مبادرة «أجسام موازية» تحقق نفوذاً لأصحابها من دون عائد على البلاد، كما يزعم معارضو المبادرة وغالبيتهم من أتباع الإسلام السياسي وأصحاب المصلحة في بقاء ليبيا منقسمة؛ لتستمر جيوبهم تنتفخ بالأموال الليبية المنهوبة ضمن منظومة الفساد الانتهازي، بعد أن أصبحت الاتفاقات السابقة؛ ومنها «الصخيرات» وصورته المحدثة في جنيف، بشأن ليبيا ميتة بتآمرٍ إخواني وشبه دولي؛ وذلك لإعادة تدوير وتوطين جماعات الإسلام السياسي بعد خسارتهم الانتخابات في ليبيا.

مخرجات «الصخيرات» و«جنيف» جميعها كانت متعثرة التطبيق، واختُرقت في أكثر من بند، منها ما يسمى «المجلس الأعلى للدولة» الذي ضم عنصراً واحداً هو «تحالف الإسلام السياسي»، وليس من تكوّن منهم «المؤتمر الوطني» في أول انعقاده خلال يوليو (تموز) 2012، في مخالفة صريحة لنص «اتفاق الصخيرات»، بل وتجاوز لدوره الاستشاري إلى ممارسة التشريع.

التمسك باتفاق ميت مثل «الصخيرات» وتحديثه بـ«اتفاق جنيف» من أهم مسببات فشل حل الأزمة الليبية. وكذلك عقّد الأزمةَ الليبية التدخلُ الخارجي والإقليمي، وغيابُ أي خريطة طريق للحل من البعثة الدولية للأمم المتحدة، التي مارست عمليات الترحيل المتعمد لأماكن الحوار.

حل الأزمة الليبية يبقى في الحوار الليبي - الليبي على أرض ليبية وليس خارجها، وضمن ثوابت وطنية تَحترم الخيار الديمقراطي والجغرافيا الوطنية، وهذا هو الخيار المنطقي المرحب به من قبل الليبيين الذين مصلحتهم في توحد ليبيا وعودتها إلى الخريطة السياسية بصفتها دولة فاعلة.

لعل أفضل وأنجح الحلول السياسية الواقعية هو التقاء الطرفين في منتصف الطريق؛ أي «لا غالب ولا مغلوب»، فمدينة سرت الليبية من الممكن أن تكون العاصمة البديلة التي ستوحد الليبيين؛ لأن سرت تقع في منتصف الساحل الليبي وتتوسط الغرب والشرق والجنوب، ولذلك فهي أفضل مكان ليكون العاصمة، بشرط أن تُبنى مؤسساتٌ ووزاراتٌ جديدة بمعايير عالمية، حتى يُقضى على العقلية المركزية والفساد. العاصمة الحالية طرابلس مختطَفة من ميليشيات متعددة المذاهب والانتماء، ولم تعد تصلح لتوحيد الليبيين؛ لأنها تحت سيطرة ميليشيات بعضها يحمل أجندة «المرشد»، تشاركها ميليشيات نفعية تستخدم العاصمة لابتزاز الوزارات والحكومة، ناهيك بوجود المرتزقة الأجانب، الأمر الذي انتهى بالفوضى وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة.

قد يكون اللقاءُ في سرت ومناقشةُ «مبادرة بولس» الأكبر واقعية فرصةً للحل والتوافق بين الليبيين، بدلاً من حوارِ الطرشان الذي يتبناه البعض، والتقوقعِ خلف أوهام زائفة، مثل أنها مبادرة تَقاسُمِ نفوذٍ وإعادة رسم موازين القوة، وهي جميعها عناوين جاهزة للرفض، بعيداً عن الواقعية السياسية.