علي العميم
صحافي ومثقف سعودي بدأ عمله الصحافي في مجلة «اليمامة» السعودية، كتب في جريدة «الرياض» وكتب في جريدة «عكاظ» السعوديتين، ثم عمل محرراً ثقافياً في جريدة «الشرق الأوسط»، ومحرراً صحافياً في مجلة «المجلة» وكتب زاوية أسبوعية فيها. له عدة مؤلفات منها «العلمانية والممانعة الاسلامية: محاورات في النهضة والحداثة»، و«شيء من النقد، شيء من التاريخ: آراء في الحداثة والصحوة في الليبرالية واليسار»، و«عبد الله النفيسي: الرجل، الفكرة التقلبات: سيرة غير تبجيلية». له دراسة عنوانها «المستشرق ورجل المخابرات البريطاني ج. هيوارث – دن: صلة مريبة بالإخوان المسلمين وحسن البنا وسيد قطب»، نشرها مقدمة لترجمة كتاب «الاتجاهات الدينية والسياسية في مصر الحديثة» لجيميس هيوارث – دن مع التعليق عليه.
TT

للثيوقراطية سمعة سيئة في الفكر العربي

استمع إلى المقالة

بقيَ من مغالطاتِ أنيس فريحة في ادعائه جهلَ العربيّ المسلم بالمسيحيةِ الشرقية وبالمسيحية الغربية مغالطةٌ واحدةٌ، وهي المغالطةُ الرَّابعة.

هذه المغالطة هي قوله إنَّ «العربي رأى في المسيحيةِ الغربية أسلوباً في الحكم يخالف النَّظرة الثيوقراطية التي يأخذ بها، ولهذا أشاح ببصره عنها».

في دراسة أخرى له، نشرها بعد تسعة أشهر من نشره لدراسته «الفكر العربي: مشكلته» في المجلة نفسها، مجلة «الأبحاث»، حين عرض النظرية السّنية في أسلوب الحكم، لم يقل بأنَّها قائمة على نظرية ثيوقراطية في أسلوب الحكم، لا تاريخاً ولا فقهاً.

النَّظرية الشيعية هي التي رأى أنَّها قائمة على النظرية الثيوقراطية حين قدم عرضاً لها.

ففي مقدمة عرضه لها، قال: «هم يرفضونَ مبدأ الانتخاب والإجماع، ويقولون بالتعيين الإلهي». وفي خاتمة العرض، قال: «هذا النَّوع من الحكم هو مجسمُ الحكم الثيوقراطي الإلهي، وهو نقيض الديمقراطي. الأول يستمد الوحي من الله، والثاني يستمد سلطته من الشعب».

هذه الدراسة الأخرى التي أشير إليها، هي دراسته «مفهوم الديمقراطية عند العرب»، المنشورة في مجلة «الأبحاث»، السنة 4، العدد 2، شهر يونيو (حزيران)، عام 1951.

للحكومة الثيوقراطية أو الدينية أو الإلهية سمعةٌ في غاية السوء في تيارات الفكر العربي. وسمعتها السيئة كانت شواهدها مستمدة من تجربتها الطويلة في التاريخ المسيحي في عصوره الدينية.

فعلى سبيل المثال، عدد من المثقفين والسياسيين المصريين، وكذلك حزب الوفد، اتَّهموا في أواخر الثلاثينات وفي الأربعينيات الميلادية، جماعةَ «الإخوان المسلمين» - بسبب رفعها شعاراتٍ دينيةً في المجال السياسي - بأنَّها تسعى إلى إقامة دولة دينية وحكم رجال دين. ومع أنَّ هذه التهمة تهمة صحيحة فإنَّ الجماعة أنكرتها من أيام مرشدِها حسن البنا، وما زالت تنكرها إلى يومنا هذا.

اللذان ادعيا من الإسلاميين السُنّة في تنظيراتهما بأنَّ دولة الإسلام المثلى، يجب أن تكونَ دولة ثيوقراطية، أبو الأعلى المودودي زعيمُ الجماعةِ الإسلامية في باكستان والهند. ادَّعى بهذه الوجوبية قبل تأسيسه لهذه الجماعة ومع تأسيسه لها، وبعد تأسيسه لها.

وسيد قطب مثقفُ «الإخوان المسلمين» الأكبر، الذي اهتدَى بتنظير المودودي الأصولي المتكامل إلى حدّ استنساخِه.

وهذا سببٌ من أسباب إعجاب إسلاميي الشيعة في إيران وفي العالم العربي بهما، وذلك لأنَّ النظريةَ السياسية الشيعية، هي دون مواربة نظرية ثيوقراطية صريحة.

إضافة إلى المغالطات التي حوتها الخطاطة الزمنية القصيرة التي أرّخ فيها أنيس فريحة لجهل العربِ المسلمين بالمسيحية الشرقية والمسيحية الغربية بحسب زعمه، حوت أيضاً تضارباً في معلوماتها.

فهو قد قال تعليلاً للجهل المزعوم: «أضف إلى هذا أنَّ الإسلام كان ينظر إلى المسيحية بكثير من التخوف والحذر، إذ لم يستطع أن يوفق بين تصرف المسيحيين ومبادئ المسيحية».

والحق أنني أنا الذي لم أستطع أن أوفق ما بين هذا القول وقوله قبله: «أن المسلم ينظر إلى جميع الأديان أنها أحط درجة من الإسلام».

فما دام أن المسلم ينظر إلى جميع الأديان أنها أحط درجة من الإسلام، فكيف ينظر أو يتعامل مع المسيحية بكثير من التخوف والحذر؟!

التضارب الثاني، كيف يعلم المسلم أنَّ ثمة تناقضاً بين تصرف المسيحيين الغربيين وبين مبادئ المسيحية وهو يجهل المسيحية جهلاً مطبقاً؟!

فإن كان على بيّنة من أمر هذا التناقض، فلا بد أن يكون عليماً بمبادئ المسيحية.

الجملة الأخيرة، جملة غامضة، فهو لم يحدد فيها وجه التناقض بين تصرف المسيحيين الغربيين وبين مبادئ المسيحية.

هل يعني بها العلمانية التي حملها معه المستعمر الغربي إلى الشرق العثماني وإلى مصر وإلى بلدان شمال أفريقيا؟

الرجل مع أنه في تفسيره للحضارة الغربية كان إنجيلياً بروتستانتياً فإنه يأخذ بدراساته بالعلمانية في تفسير التاريخ والحضارات، ولا يتبنى التفسير اللاهوتي المسيحي لهما. فهو ليس من فئة اللاهوتيين الشوام التي نابذت العلمانية بصراحة ووضوح.

ثم إنَّه تباهى بعلمانية الدولةِ في الغرب بالمقارنة مع الإسلام، الذي ادعى في هذه المباهاة أنَّ الإسلامَ، كلَّ الإسلام، لم يعرف في تاريخه وعقيدته سوى الدولةِ الثيوقراطية.

وهو في هذا التَّباهي يوحي للقارئ - ضمناً - بأنَّ مبدأ فصل الدين عن الدولة مبدأ مسيحي وجزء من الديانة المسيحية!

هل هو على نحو غير مباشر يشير إلى الحروب الاستعمارية التي شنَّها الغرب الاستعماري على بلدان عربية عديدة، فتحدث بلسان جماعته الدينيةِ الخاصة، جماعة «الفرندز» التي من مبادئها الدينية إدانة الحرب أيّاً كان هدفها؟

أم هو يتحدَّث بلسان المطلع على تاريخ المسيحية في عصرها الأول، فهي في ذلك العصر لا تقر مبدأ الحرب؟

وهذان الأمران لا يتناقضان، فإدانة الحرب، أيّاً كان هدفها عند جماعة «الفرندز»، هي عودة إلى المسيحية في تعاليمها الأصلية، مسيحية ما قبل الدولة.

فالتعارض بين المبادئ المسيحية التي تنبذ الحرب وتنفر من الصراعات بكافة أشكالها ظهر مع بداية القرن الرابع الميلادي، وذلك عندما صارت المسيحية الدين الرسمي للدولة الرومانية في عهد الإمبراطور قسطنطين.

ولحل هذا التعارض ظهر مفهوم «الحرب العادلة» الذي صاغه القديس أوغسطين في كتابه «مدينة الله». وزاد في هذا المفهوم وأكمل بلورته توماس الإكويني في القرن الثالث عشر في كتابه «الخلاصة اللاهوتية».

ومنذ ذلك التاريخ وذلك التَّعارض يزداد تفاقماً وتجذراً.

يضعف من هذا الافتراض، أنَّه ينفي عن الاستعمار مسماه الحقيقي، ولا يعتبره حرباً توسعيةً، ويعده مجرد «إطلالة» على العالم العربي!

وكانَ منتشياً بهذه الإطلالة، وكأنَّه في آن، بروتستانتي إنجليزي، وكاثوليكي فرنسي، وكاثوليكي إيطالي، وكاثوليكي إسباني، وكاثوليكي برتغالي! ... وللحديث بقية.