طارق الشناوي
ناقد سينمائي، وكاتب صحافي، وأستاذ مادة النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة. أصدر نحو 30 كتاباً في السينما والغناء، ورأس وشارك في لجان تحكيم العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. حصل على العديد من التكريمات، وقدم أكثر من برنامج في الفضائيات.
TT

عودة كاتب الظل عاطف الأشموني

استمع إلى المقالة

في مسرحية «غلفدان هانم» التي ألفها الكاتب اليمني الجذور علي أحمد باكثير، وأخرجها عبد المنعم مدبولي قبل نحو 65 عاماً، ترددت على لسان بطل المسرحية محمد عوض، عبارة لا تزال عالقة بذهن عدد من المخضرمين: «أنا عاطف الأشموني مؤلف قصة الجنة البائسة». المسرحية تتناول ما يعرف بـ«كاتب الظل» الذي يحصل على مردود مادي مقابل أن يكتب عملاً فنياً من الباطن، شرط أن يظل صامتاً إلى الأبد!

بين الحين والآخر قد يتكلم الصامتون، وأحياناً أخرى يصبح الصمت بالنسبة إليهم هو «طوق النجاة». أثيرت على استحياء في الأيام الأخيرة تلك القضية، في أعقاب إصدار حكم نهائي يدين وزيرة الثقافة المصرية السابقة بالسرقة الأدبية، وعلى إثر ذلك قدمت استقالتها.

لا توجد إشارة في رواية الوزيرة إلى أن هناك كاتباً من الباطن، لكن تلك القضية وجدت مساحة من التداول، وأعادت لنا مجدداً حكاية «الأشموني».

عاصرت زمناً كان لدينا كُتّاب دراما من الباطن، وشعراء وملحنون أيضاً يتوارون عن الضوء مقابل الحصول على أموال.

أتذكر شاعراً غنائياً كتب قصيدة موقعة باسم آخر، وكانت بيننا صداقة تسمح بأن أساله لماذا أقدم على هذا الفعل؟ أجابني: «كنت على بعد أيام قلائل من عيد الأضحى، ولم أشتر بعد ملابس العيد ولا خروف العيد لأبنائي، ووجدت من يعرض رقماً مغرياً، لا أحصل على جزء يسير منه، لو كتبت الأغنية باسمي، فلم أستطع المقاومة».

في الماضي القريب وحتى التسعينات، كان هناك كُتّاب سيناريو من الكبار يتفقون مع عدد من الجدد لمساعدتهم، مقابل أجر شهري، وهذا الأجر وقتها كان يساوي ضعف ما يتقاضونه في وظائفهم، وبالتالي كانوا حريصين على الاستمرار. عدد منهم أكمل الطريق للكتابة من الباطن حتى نهاية المشوار، وعدد آخر، بدأوا يشعرون بأن من حقهم أن يقدموا السيناريو مباشرة لجهات الإنتاج، لتحمل الأعمال أسماءهم وصار بعضهم نجوماً. قال لي يوماً أحدهم: «في بداية المشوار كنت بالفعل أمارس ذلك، وبعدها عرفت مفاتيح شركات الإنتاج، وهم أيضاً كانوا مطمئنين لموهبتي، وبدأت رحلتي منفرداً في الكتابة».

في المقابل، هناك لعبة أخرى وهي الادعاء، إذ واجه الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب في حياته عدداً كبيراً من تلك الاتهامات، بل إن أحدهم أشار في أكثر من جريدة، وعبد الوهاب على قيد الحياة، إلى عدد من الألحان التي قدمها لموسيقار الأجيال، وبالطبع مع الزمن اندثرت تماماً كل تلك الإشاعات، واعتذر الملحن عن ادعائه، لأن ببساطة موسيقى عبد الوهاب تفيض كلها بروح عبد الوهاب.

إلا أن موسيقار الأجيال تعرض لاعتداء آخر، كاد أن يفقد بسببه حياته، عندما ترصد له على باب بيته في الزمالك أحد هؤلاء المجانين قائلاً له: «صنعت كل ألحانك»، وكاد أن يصيب الموسيقار الكبير في رأسه، لولا أن تدخلت يد العناية الإلهية وأنقذته. أطلقت وقتها الصحافة على المهاجم لقب «مجنون عبد الوهاب»، وحصلت النيابة بعدها منه على تعهد بعدم الاقتراب من مسكن الأستاذ عبد الوهاب.

هل لا يزال عاطف الأشموني حياً يرزق ويكتب من الباطن؟ أنا أرى أن نظام «ورش كتابة السيناريو»، المنتشر حالياً في عالمنا العربي، هو أحد الحلول الشرعية التي تسمح لكل صاحب موهبة بأن يقدم نفسه للحياة الفنية، من دون أي تنازل عن حقوقه الأدبية والمادية. «الأشموني» حكاية صارت الآن خارج الزمن، وغير قابلة للتكرار!