مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، كان طلبة العلوم الدينية في النجف يتهافتون لحضور درس السيد أبي القاسم الخوئي، الذي يُعد أحد أبرز الفقهاء في تاريخ الشيعة الإمامية، والذي أصبح المرجع الأعلى للطائفة في عام 1970 حتى وفاته عام 1992. وكان من الطبيعي تزاحم الطلبة على درسه في «البحث الخارج»، الذي سُمي كذلك لأنه يقوم على النقاش خارج متون الكتب عن طريق طرح الإشكالات في الفقه وأصوله على الأستاذ الذي يُجيز الطلبة المتميزين بدرجة الاجتهاد. وبسبب ذلك الازدحام، قام بعض المنظمين للدروس بترشيد عدد الحضور (الكبير أصلاً) لتوفير سعة في المكان.
في ذلك الوقت، كان هناك طالب أفغاني ذو ملامح هزارية واضحة يحاول حضور الدرس، وفي كل مرة يحاول فيها الدخول يُبتلى برجل شديد يمنعه من ذلك، وإن أفلت منه يُخرجه من دون أن يعي السبب. فقرر ذلك الشاب الهزاري أن يحضر درس «البحث الخارج» من خارج المجلس، وليس فقط خارج المتون. فركن إلى الجدار الخلفي للمجلس حيث توجد نافذة يصل منها صوت السيد الخوئي، الذي كان مجرد الحضور عنده كافياً لرفع مستوى السيرة الذاتية للفقهاء الشيعة.
ومع مرور الأيام، كان ذلك الشاب الأفغاني يدوّن الدرس وتعليقاته عليه، وهو ما يُصطلح عليه في أعراف الحوزات الدينية بـ«التقريرات». وعندما تجمعت التقريرات لديه، أعطاها لأحد أصدقائه المسموح لهم بحضور الدرس؛ ليُطلع عليها الأستاذ من باب إبراء الذمة. وعندما وصلت تلك التقريرات إلى الخوئي قام بمراجعتها، وحضر بها لدرسه في اليوم التالي سائلاً: مَن صاحب هذه التقريرات الجيدة التي تدل على النباهة؟ عندها أخبره الشخص الذي سلّمه التقريرات بأن الطالب يجلس تحت حر الشمس في الخارج، فطلب إحضاره فوراً، ومن يومها أصبح من الطلبة المقربين من الخوئي.
ذلك الطالب الأفغاني هو الشيخ محمد إسحاق الفياض، الذي توفي الأسبوع الماضي في النجف التي هاجر إليها منذ عام 1948 وهو في سن الثامنة عشرة، وعاش فيها كل الفصول المهمة في تاريخ العراق الحديث؛ بدءاً من سقوط الملكية الهاشمية، مروراً بحكم الأحزاب العسكرية، وصولاً إلى سقوط نظام البعث وثلاثة وعشرين عاماً من الحكم الجديد بكل ما تخللها من أحداث. لقد عاش الفياض حياة هادئة، مركِّزاً على دروسه بعيداً عن ضجيج السياسة والاصطفافات الداخلية في الحوزة. فهو لم يسعَ يوماً ليكون المرجع الأعلى، وقَبِل بالواقع الذي يرى أن المستوى العلمي هو أحد العوامل التي ترفع حظوظ الفقيه لموقع المرجعية، ولكنه ليس العامل الأوحد.
أتذكر أنني زرته في مكتبه الذي يُلقي فيه دروسه في النجف، حيث استأذنّا ابنه للدخول عليه، ولم ننتظر لأكثر من دقيقة؛ وكان حديثه ودِّياً وابتسامته حاضرة رغم السن والمرض. وقبل الفياض، توفي السيد محمد سعيد الحكيم في سبتمبر (أيلول) 2021، والذي لم يصل إلى موقع المرجعية العليا رغم أنه هاشمي النسب وحفيد المرجع الأعلى في زمانه السيد محسن الحكيم (المتوفى عام 1970).
وهذا ما يطرح سؤالاً حول مستقبل المرجعية الشيعية المركزية في النجف، حيث يتربع السيد علي السيستاني على رأس هرمها منذ منتصف تسعينات القرن العشرين. وقد جرى العرف على أن يكون مرجع النجف هو المرجع الأعلى للشيعة (إلا في حالات استثنائية وقصيرة) مما يجعل بقية الفقهاء حاضرين في الدروس الحوزوية بآرائهم العلمية، وليس على مستوى المجتمعات الشيعية بفتاواهم.
وهنا نطرح تساؤلاً ليس بالجديد (سبق وطرحته في بحث مفصل نشره معهد الشرق الأوسط بواشنطن) حول المرجعية الشيعية بعد السيد السيستاني: هل سيبقى موقع المرجع الأعلى محافظاً على مكانته بتقليد معظم الشيعة لمرجع النجف، أم أن المرجعية ستتقسم بين المراجع المعروفين في النجف وقم وكربلاء وغيرها؟ إنه سؤال يصعب التكهن بإجابته في ظل تطور وسائل الاتصال ووصول سمعة المرجعيات المختلفة للمجتمعات الشيعية حول العالم.
لقد كان جلوس ذلك الشاب الأفغاني خارج نافذة الدرس في منتصف القرن الماضي يمثل ذروة التحدي للوصول إلى المعرفة في ظل مركزية النجف الصارمة. أما اليوم، ومع تلاشي الجدران والنوافذ أمام ثورة الاتصالات، لم يعد التحدي في كيفية الوصول إلى الدرس، بل في كيفية الحفاظ على مركزية المرجعية ذاتها. إن الفضاء الرقمي المفتوح الذي أوصل صوت الأساتذة إلى أقصى بقاع الأرض حيث يحضر كثير من الطلبة الدروس افتراضياً، يضع النجف أمام اختبار تاريخي غير مسبوق: هل تستطيع الحفاظ على ثقلها عاصمةً للمرجعية العليا، أم أن نافذة السيد الخوئي التي صنعت مرجعاً كالفياض، قد اتسعت اليوم لتصبح فضاءً افتراضياً يعيد تشكيل خريطة النفوذ الديني الشيعي برمته؟
