د. عبد الله فيصل آل ربح
أكاديمي سعودي, أستاذ مشارك لعلم الاجتماع الديني والنظرية الاجتماعية جراند فالي الأميركية, وزميل أبحاث غير مقيم بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن العاصمة. نشر العديد من الأبحاث المحكمة في دوريات رصينة, إضافة لنشره لعدة دراسات في مراكز الفكر بواشنطن. ومن أهم إصداراته كتاب «المملكة العربية السعودية في الصحافة الأنجلو: تغطية المملكة في القرن العشرين»
TT

سقوط النموذج: أزمة القرار الغربي

استمع إلى المقالة

لا يمثل التَّخبطُ الذي تعيشه العواصمُ الغربية في التعامل مع أزماتِ العالم الراهنةِ مجردَ سلسلةٍ من الإخفاقات السياسية العابرة، بل هو تعبيرٌ صريح عن أزمةٍ بنيوية تضرب عمقَ المؤسسة القيادية في الغرب. إنَّنا أمام تحولٍ جذري في مفهوم القيادة؛ إذ تراجع حضورُ القائدِ التاريخي الذي يصوغ الرؤى الاستراتيجية، ليحلَّ محلَّه نمطٌ جديدٌ من المسؤولين الذين لا يتجاوز أفقهم الزمني دورةً انتخابية واحدة، ولا يتعدى طموحهم إدارة الأزمات لحظة وقوعها بدلاً من استباقها أو صياغة مسارات بديلة لها.

لقد أدَّت البيروقراطية المتضخمة، بالتوازي مع هيمنة الإعلام الرقمي وتأثيراته الفورية، إلى تحويل كثير من القادة الغربيين إلى موظفين سياسيين يركّزون جلَّ طاقاتهم على استرضاء الرأي العام المتذبذب عبر منصات التواصل الاجتماعي. لم يعدِ القرارُ السياسي نتاجاً لتراكم الخبرات أو قراءة عميقة للمتغيرات الجيوسياسية، بل صار استجابة انفعالية لضغوط اللحظة وتوقعات الجمهور التي يغذيها خطاب شعبوي متصاعد. هذا التحول أفرغَ منصب القائد من جوهره، وجرَّده من القدرة على اتخاذ قرارات شجاعة أو غير شعبية قد تضمن الاستقرار طويل الأمد، لكنها لا تحقق مكاسب انتخابية آنيَّة.

إنَّ ما نراه اليوم من حالة التسطيح التي أصابت السياسة الغربية هو نتاج طبيعي لغياب التفكير الاستراتيجي. ففي غياب رجل الدولة الذي يمتلك البوصلة الأخلاقية والسياسية، تحوَّلت المواقف الغربية من قضايا العالم إلى ساحة للمزايدات الآيديولوجية. هذه التناقضات بين الخطاب الأخلاقي الذي ترفعه هذه المؤسسات، والممارسة السياسية التي تفتقد المبدأ، أفقدت الغرب جاذبية النموذج الذي طالما تغنَّى به، وجعلت سياساته تبدو أقرب إلى التخبط منها إلى القيادة الرشيدة.

إنَّ أزمة النموذج القيادي الغربي لا تنفصل عن تآكل الثقة الداخلية في المؤسسات. فعندما ينشغل القادة بترميز خلافاتهم الداخلية وتغذية الانقسام المجتمعي لضمان بقائهم في السلطة، فإنَّهم يفتقدون بالضرورة القدرة على التأثير في النظام الدولي. لقد أصبح كثير من القادة الغربيين اليوم أسرى لأجنداتهم الضيقة، عاجزين عن تقديم رؤية متماسكة قادرة على احتواء الصراعات التي تتوسَّع وتشتعل دون أن يجد العالم من يملك الحكمة أو الوزن الأخلاقي والسياسي لوقفها.

هل نقول إنَّ الغرب يعيش اليوم مرحلة أفول الرموز القيادية الكبرى؟ يبدو الأمر هكذا، فغياب رجل الدولة الذي كان يُنتظر منه أن يملأ الفراغ ويحسم مسارات التاريخ، أفسح المجال لنمط من السياسيين يغرقون في تفاصيل الصراعات اليومية بدلاً من رسم معالم المستقبل. إنَّ هذا الاستعصاء القيادي ليس مجرد عارض وقتي، بل هو نذير بتحوُّلات عميقة في هيكل النظام الدولي، حيث لم يعد الغرب يملك ما يقدمه للعالم من رؤية، بقدر ما أصبح يبحث عن مخرج من أزماته التي صنعها بيده.