د. عبد الغني الكندي
رئيس الجمعية السعودية للعلوم السياسية والأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود
TT

التفاهم الأميركي ــ الإيراني: اتفاق أم مواجهة مؤجلة؟

استمع إلى المقالة

لا يمكن فهمُ مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيرانَ من خلال العداء السياسي والآيديولوجي بين الطرفين فقط، فالدولُ في لحظات الأزمات لا تتحرك دائماً وفق مواقفها المعلنة، بل وفق حسابات دقيقة للمكاسب والخسائر، ومدى قدرة كل خيار على حماية مصالح الأطراف وتقليل مستوى المخاطر المستقبلية. وتزداد أهمية هذه الحسابات في ظل ما يعرف في العلاقات الدولية بـ«المعضلة الأمنية»، حيث قد تتحول إجراءات كل طرف لتعزيز أمنه إلى مصدر تهديد للطرف الآخر، بما يدفعهما نحو دوائر متكررة من التصعيد وانعدام الثقة. ومن هنا يصبح السؤال الأكثر أهمية غير مرتبطٍ بمدى الثقة بين الطرفين، وإنَّما بالظروف التي تجعل تكلفة استمرار الحرب والمواجهة أعلى من تكلفة الوصول إلى اتفاق.

وفي هذا السياق، يمكن القول إنَّ اتفاق واشنطن وطهران لم يكن اتفاقاً شاملاً من شأنه إنهاء جميع الخلافات الجوهرية بين الطرفين، بقدر ما يُمثل إطاراً لوقف الحرب، والتصعيد، وإدارة المخاطر المتبادلة، عبر ترتيبات تهدف إلى منع الانزلاق إلى صراع أوسع. وهذا ما يجعل الاتفاق لا يستهدف بناء ثقة كاملة بين الطرفين بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيل حسابات المكاسب والخسائر، عبر خلق معادلة يصبح فيها الالتزام ببنوده خياراً أكثر جدوى وأقل تكلفة من العودة مجدداً إلى مسار التصعيد والمواجهة.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يقوم القرار على المفاضلة بين مسارين مختلفين. المسار الأول: استمرار الحرب وسياسة الضغط والعقوبات. وإن كان هذا الخيار يمنح واشنطن قدرة على إضعاف إيران اقتصادياً وتقليص الموارد المتاحة لها، إلا أنه يحمل في الوقت نفسه مخاطرة استراتيجية، إذ قد يدفع طهران إلى تسريع برنامجها النووي بوصفه وسيلة لزيادة قدرتها التفاوضية وردع الضغوط الخارجية. وبهذا قد يتحول الضغط أو الحرب من أداة لإجبار إيران على التراجع إلى عامل يدفعها نحو السلوك الذي تسعى واشنطن إلى منعه.

في المقابل، يوفر خيار الاتفاق فرصة لتقييد البرنامج النووي الإيراني ووضعه ضمن إطار أكثر قابلية للرقابة، بما يقلل احتمالات التصعيد العسكري، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على إدارة الأزمة. كما يحمل الاتفاق مكاسب سياسية واقتصادية داخلية للإدارة الأميركية. فتخفيض مستوى التوتر في منطقة الخليج، وتقليل مخاطر تعطل إمدادات الطاقة، قد يسهمان في استقرار أسعار النفط والحد من الضغوط التضخمية، وهي عوامل تنعكس بصورة مباشرة على المزاج الانتخابي الداخلي، وقد تعزز فرص الحزب الحاكم في انتخابات الكونغرس من خلال تقديم الاتفاق بوصفه نجاحاً في تجنب حرب مكلفة، وحماية الاقتصاد الأميركي.

إلا أن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر أيضاً. فالإدارة الأميركية تخشى أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى توفير موارد إضافية تستخدمها إيران لتعزيز حضورها الإقليمي، وتوسيع نفوذها سواء السياسي أو العسكري، بما يفرض تحديات أمنية على جيرانها، وعلى إسرائيل بوصفها أحد خصوم طهران. كما أن فشل الاتفاق أو انهياره وعودة التصعيد العسكري قد يقودان إلى إغلاق مضيق هرمز مجدداً، وارتفاع أسعار النفط وزيادة معدلات التضخم، الأمر الذي قد يتحول إلى تكلفة سياسية داخلية على الإدارة الأميركية، ويمنح خصومها فرصة لتوظيف الأزمة انتخابياً بوصفها إخفاقاً في إدارة السياسة الخارجية والاقتصاد معاً.

أما إيران، فإنَّ حساباتها لا تقوم على المكاسب الاقتصادية وحدها، وإنَّما ترتبط أيضاً بالخسائر الرمزية والسياسية المحتملة. ومن المرجح أن تنجح القيادة الإيرانية في تحويل الاتفاق داخلياً إلى سردية انتصار لا تراجع، من خلال التأكيد على أنها حصلت على مكاسب اقتصادية وتخفيف للعقوبات من دون أن تظهر بمظهر المتنازل، خصوصاً مع عدم تخليها كلياً عن برنامجها النووي أو عن مصادر القوة الأخرى التي بنت عليها نفوذها الإقليمي، وفي مقدمتها برنامج الصواريخ البعيدة المدى، وشبكة حلفائها من الجماعات المسلحة خارج حدودها، إضافة إلى تمسكها بدورها ونفوذها في الساحة اللبنانية. ومن هذه الزاوية، قد تسعى طهران إلى تصوير التنازلات التي قبلت بها على أنَّها محدودة ولا تمس جوهر استراتيجيتها. ومن المحتمل جداً أن يُقدَّم الاتفاق، من خلال الخطاب الدعائي الإيراني، بوصفه انتصاراً سياسياً داخلياً لطهران، حيث يجري تصويره بوصفه نجاحاً في خفض التصعيد، وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، وإعادة الوضع عملياً إلى ما كان عليه قبل اندلاع المواجهة، من دون أن يفرض عليها التخلي عن أدوات النفوذ الرئيسية التي تُشكل مصدر قوتها الإقليمية.

وبهذا يصبح الاتفاق مفيداً لإيران على أكثر من مستوى: اقتصادياً، من خلال تخفيف الضغوط الداخلية، وسياسياً، عبر تمكين النظام من تعزيز شرعيته داخلياً، وتقديم نفسه أمام وكلائه بالخارج بوصفه طرفاً صمد أمام الضغوط الأميركية وانتزع مكاسب من دون تقديم تنازلات تمس جوهر أدوات قوته. ومن ثم تستطيع طهران توظيف الاتفاق بوصفه إعادة توزيع للمكاسب، بما يعزز شرعيتها، ويحافظ على أوراق قوتها، ويدعم قدرتها على التأثير والمساومة في المستقبل.

لذلك تبدو البنود الحالية أقرب إلى اتفاق تهدئة وفتح مسار تفاوضي أكثر من كونها تسوية نهائية للصراع. فهي تقوم على تنازلات تكتيكية مشروطة تفرضها حسابات المرحلة وضغوطها السياسية، ولا سيما الضغوط الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، من خلال ضمان أمن الممرات البحرية، ووقف التصعيد، وتقديم تخفيف اقتصادي محدود، تمهيداً للتفاوض لاحقاً على اتفاق نووي وسياسي أكثر شمولاً. إلا أن استمرار هذا المسار سيبقى مرهوناً بقدرة الطرفين على تحويل التهدئة المؤقتة إلى تفاهمات دائمة. ولذلك فمن المحتمل، في حال انتهاء الضغوط الانتخابية أو تعثر مسار التفاوض، أن يعاد تشكيل حسابات المواجهة، وترتفع احتمالات عودة التصعيد من جديد.

ومن خلال قراءة موضوعية لحسابات المكاسب والخسائر، يمكن القول إن إيران قد تكون الطرف الأكثر استفادة في المرحلة الحالية، إذ تمكنت من الحصول على متنفس اقتصادي، وتقليل مستوى الضغوط الخارجية، وتعزيز مصادر شرعيتها داخلياً، والحفاظ على صورتها ومصداقيتها أمام شبكات حلفائها ووكلائها في الخارج بوصفها فاعلاً إقليمياً قادراً على حماية مصالحه وأدوات نفوذ. ولكن في المقابل، تبقى هشاشة الاتفاق واضحة نتيجة استمرار أزمة الثقة بين الطرفين، وغياب المعالجة النهائية للقضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصير اليورانيوم المخصب، إلى جانب استمرار برنامج الصواريخ بعيدة المدى، وهي ملفات تُمثل مجتمعةً مصدر قلق استراتيجي لدول الخليج، إضافة إلى إسرائيل، لما تحمله من انعكاسات مباشرة على توازنات الأمن الإقليمي. كما يظل استمرار دعم الجماعات المسلحة في المنطقة أحد العوامل التي قد تعيق تحول الاتفاق من مجرد تهدئة مؤقتة إلى تسوية أكثر استقراراً.

ولذلك، فإن مستقبل الاتفاق لن يتحدد بحجم التنازلات المؤقتة، وإنما بمدى قدرة الطرفين على الانتقال من إدارة الأزمة واحتواء التصعيد إلى معالجة مصادر الخلاف الأساسية. وفي غياب ذلك، سيبقى الاتفاق أقرب إلى هدنة سياسية قابلة للتراجع متى ما تغيرت حسابات القوة والمكاسب بين الطرفين، إضافة إلى استمرار فجوة الثقة بينهما واحتمالات تراجع أحدهما عن الالتزام بتفاهماته، أو تراجع العوامل المرحلية التي ساعدت على الوصول إليه، وفي مقدمتها الاعتبارات الاقتصادية والانتخابية داخل الولايات المتحدة.