مرة أخرى، تثبت كرة القدم أنها ليست مجرد لعبة تُحسم فوق المستطيل الأخضر، بل هي مرآة تعكس ما يدور في عمق المجتمعات، ومختبر حقيقي لقياس جودة السياسات العمومية، والاستثمار في الإنسان، ونجاعة المدرسة، وقدرة الدولة على تحويل التنوع قوةً، والهجرة فرصةً، والاختلاف مصدراً للإبداع.
لقد جاء تتويج المنتخب الإسباني بكأس العالم ليؤكد أن البطولات الكبرى لا تُصنع بالحظ، ولا تُولد في تسعين دقيقة، وإنما تُبنى عبر سنوات طويلة من التخطيط، والتكوين، والاستثمار في الإنسان، والثقة في الشباب، والقدرة على اكتشاف المواهب وصقلها، مهما كانت أصولها الاجتماعية أو الثقافية أو الجغرافية.
ولعل أبرز رموز هذا التتويج العالمي النجم لامين يامال، ذلك الشاب الذي تعود أصوله إلى المغرب، والذي أصبح في سن مبكرة أحد أبرز نجوم الكرة العالمية. لكنه ليس حالة استثنائية، بل هو جزء من جيل كامل صنعته الهجرة، واحتضنته المدرسة الرياضية الإسبانية، ومنحته فضاءً للإبداع والانتماء والعطاء.
إن لامين يامال، ونيكو ويليامز، وغيرهما من أبناء الهجرة، يوجهون اليوم رسالة قوية إلى العالم: أن الهجرة ليست عبئاً كما يروج له بعض الخطابات الشعبوية، وإنما رأسمال بشري هائل متى أُحسن استثماره. فالمهاجر لا يحمل معه حقيبة السفر فقط، وإنما يحمل أيضاً ثقافته، وإرادته، وأحلامه، وقدرته على الإبداع والابتكار.
ولذلك؛ لم يكن غريباً أن تتحول منتخبات أوروبية عدّة فسيفساءَ حضاريةً جميلة، تجمع لاعبين من أصول عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية في فريق واحد، يوحّدهم الانتماء للوطن، والعمل الجماعي، واحترام القانون، والرغبة في تحقيق الإنجاز.
وفي المقابل، فإن هذا التتويج الإسباني لا ينبغي أن يحجب حقيقة أخرى بالغة الأهمية، وهي التطور اللافت الذي تعرفه كرة القدم العربية والإسلامية خلال السنوات الأخيرة.
فقد أثبت المنتخب المغربي في مونديال قطر وفي المونديال الأخير أنه قادر على مقارعة كبار العالم، وقدم نموذجاً حضارياً قبل أن يكون نموذجاً رياضياً، جمع بين الانضباط، والروح الجماعية، والتواضع، والاعتزاز بالهوية، واحترام الآخر. ولم يكن ذلك الإنجاز مجرد مصادفة، بل ثمرة إصلاحات عميقة عرفتها منظومة التكوين والبنيات التحتية والاستثمار الرياضي بالمملكة المغربية.
إن الرسالة التي تحملها هذه التحولات واضحة: الفجوة الحضارية ليست قدراً أبدياً، وإنما هي نتيجة خيارات وسياسات، ويمكن تجاوزها عندما يصبح الاستثمار في الإنسان أولوية وطنية.
ثم إن المنتخبات الكبرى ليست سوى امتداد لمجتمعات قوية، تعرف كيف تكتشف المواهب، وكيف تمنح الفرصة للجميع من دون تمييز، وكيف تجعل من المدرسة والأسرة والنادي والإعلام حلقاتٍ متكاملة في صناعة الإنسان.
ومن هنا، فإن الانتصار الحقيقي ليس هو الفوز بالكأس فقط، وإنما النجاح في بناء منظومة تجعل الفوز نتيجةً طبيعية، وليس استثناءً عابراً.
وفي هذا السياق، تبرز الهجرة بصفتها أحد أهم الروافد التي أعادت تشكيل الرياضة العالمية. فمن لامين يامال إلى كيليان مبابي، ومن جمال موسيالا إلى نيكو ويليامز، ومن عشرات الأسماء الأخرى، نكتشف أن كثيراً من نجوم الكرة العالمية هم أبناء الهجرة، أو أبناء أسر قَدِمت من الجنوب إلى الشمال بحثاً عن حياة أفضل، فإذا بهم يصبحون سفراء لبلدانهم الجديدة، من دون أن يقطعوا صلتهم بجذورهم الأولى.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ ففي الوقت الذي لا تزال فيه بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة تنظر إلى الهجرة بصفتها تهديداً، تثبت الوقائع أن هؤلاء المهاجرين وأبناءهم أصبحوا جزءاً من القوة الناعمة للدول، وعنصراً أساسياً في اقتصادها، وثقافتها، ورياضتها، وعلومها، وابتكاراتها.
إن الرياضة، كما الثقافة والاقتصاد والبحث العلمي، تؤكد أن الحضارات لا تُبنى بالإقصاء، وإنما بالتنوع، ولا تزدهر بالخوف من الآخر، وإنما بالانفتاح عليه، ولا تنتصر بالعنصرية، وإنما بتكافؤ الفرص.
ولذلك؛ فالبطولة هي بطولة صنعها تحالف الحضارات والمدارس، والأندية، والجامعات، ومراكز البحث، وسياسات الإدماج، وثقافة المواطنة، واحترام الكفاءة. فالمنتخبات الكبرى لا تُصنع في أسابيع، ولا تولد من رحم المصادفة، بل هي ثمرة سنوات طويلة من التخطيط، والاستثمار، واكتشاف المواهب، بصرف النظر عن أصولهم الاجتماعية أو الثقافية أو الجغرافية.
إن كأس العالم، في نهاية المطاف، لا يفوز بها أحد داخل الملعب فقط، وإنما يفوز بها مجتمع بأكمله، يبدأ انتصاره في المجتمع، ويترسخ في مراكز التكوين، ويكتمل في احترام القانون، والعدالة، والعمل، والإيمان بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للأمم.
وهذا هو الدرس الذي تؤكده إسبانيا اليوم. فالمستقبل يكون للأكثر قدرة على الاستثمار في الإنسان، وعلى تحويل التنوع قوةً، والهجرة قيمةً مضافة، والرياضة مدرسةً لبناء الحضارة، وهي إحدى أهم أدوات القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين.
