هدى الحسيني
صحافية وكاتبة لبنانية، عملت في صحف ومجلات منها: «الأنوار»،«النهار» العربي والدولي،«الوطن العربي»،«الحوادث» و«الصياد». حاورت عدداً من الزعماء منهم: الخميني، الملك الحسن الثاني، الملك حسين والرؤساء أنور السادات، حسني مبارك، صدام حسين، جعفر نميري، ياسر عرفات وعيدي أمين. غطت حرب افغانستان، الثورة الايرانية، الحرب الليبية - التشادية، عملية الفالاشا في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الاولى.
TT

الحالة في إيران تستعصي على الحل!

استمع إلى المقالة

تملك إيران أجهزة أمنية واسعة، وترسانة صاروخية، ونفوذاً إقليمياً، وقدرة أثبتتها مراراً على تفريق الاحتجاجات واعتقال المشاركين فيها. لهذا قد تبدو، من الخارج، نظاماً راسخاً يصعب زعزعته. لكن استمرار السلطة لا يُقاس بأدوات القوة وحدها. فخلف هذه الصورة تتراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية لم تنجح الدولة في حلها، وتتسع المسافة بين ما تطلبه من الإيرانيين وما تقدمه إليهم.

بعد 47 عاماً من قيام الجمهورية الإسلامية، يظل التناقض الأبرز بين إمكانات إيران وواقع سكانها. فالبلاد تملك النفط والغاز، وكفاءات علمية، وسوقاً كبيرة، وموقعاً يربط مناطق تجارية مهمة. ومع ذلك، يعيش كثير من الإيرانيين تحت ضغط التضخم وتراجع قيمة العملة وضعف فرص العمل. وحين ترتفع أسعار الحاجات الأساسية أسرع من الأجور، يصبح تدبير الحياة اليومية عبئاً مستمراً، خصوصاً على الأسر التي استنفدت مدخراتها.

لا تقف الصعوبات عند دخل الأسرة، فقد تكررت شكاوى نقص الكهرباء والمياه وتراجع الخدمات، وهي مشكلات تمسّ قدرة الاقتصاد على الإنتاج كما تمس حياة الناس في منازلهم. وتحتاج معالجتها إلى استثمارات وإدارة فعّالة وثقة تسمح بالتخطيط للمستقبل. لكن الفساد وسوء الإدارة واستمرار الأزمات الخارجية تجعل الحلول أكثر صعوبة، فيما تتزايد كلفة التأخير سنة بعد أخرى.

تقدم العملة الإيرانية مؤشراً واضحاً إلى حجم الضغوط. فتراجع الريال يرفع تكلفة السلع المستوردة والمواد التي تدخل في الإنتاج المحلي، ثم ينتقل أثره إلى الأسعار. ومع استمرار التضخم، يفقد الراتب قيمته حتى حين يبقى رقمه ثابتاً. ويزيد نقص العملات الأجنبية صعوبة تمويل الواردات والإنفاق العام. وهكذا تتصل الأزمة المالية بما يراه المواطن في السوق والصيدلية وعلى فاتورة الكهرباء.

وتتعرض موارد الدولة بدورها للضغط، فالعقوبات المالية تقيّد المعاملات الخارجية، في حين تقلّص الحرب والتوترات في مضيق هرمز قدرة إيران على تصدير النفط بانتظام. لقد شدد الحصار البحري الأميركي الخناق على صادرات النفط، فيما أغلقت القيود المالية بعض القنوات التي استخدمتها طهران لتجاوز العقوبات. وإذا طال الضغط على العائدات تضيق قدرة الحكومة على تمويل الواردات والخدمات والمؤسسات التي تعتمد عليها.

غير أن المشكلات الاقتصادية وحدها لا تفسّر هشاشة النظام، فالمظاهرات التي تبدأ احتجاجاً على الغلاء أو نقص الخدمات تتحول مراراً إلى اعتراض على الفساد وطريقة الحكم. يدل ذلك على أن شريحة من الإيرانيين لم تعد ترى الأزمة حادثاً منفصلاً يمكن تجاوزه بإجراء مؤقت. وحين تصبح مطالب المعيشة مرتبطة بسؤال من يتخذ القرار وكيف يحاسب، تكون الثقة بالمؤسسات قد تعرضت لضرر عميق.

جاء رد السلطات على موجات الاحتجاج باستخدام القوة والاعتقالات الواسعة. وتتحدث تقارير عن سقوط أعداد كبيرة من القتلى واحتجاز عشرات الآلاف، مع تفاوت التقديرات التي يصعب التحقق منها بصورة مستقلة. كما نقلت عائلات ومنظمات حقوقية روايات عن مطالبة بعض الأسر بدفع مبالغ قبل تسليم جثامين أقارب لهم قُتلوا خلال الاحتجاجات. وتحتاج كل حالة إلى التثبّت منها، لكن تكرار هذه الشهادات يكشف عن حجم انعدام الثقة والخوف في العلاقة بين المواطن وأجهزة الدولة.

لا ينحصر أثر القمع في أعداد المعتقلين، فحين يواجه الطلاب وأصحاب الكفاءات خطر السجن بسبب نشاطهم أو آرائهم، تخسر البلاد طاقاتهم، ويتعلم المحيطون بهم أن الصمت أكثر أماناً من المشاركة. أما الأسر التي تفقد أبناءها فإن علاقتها بالدولة لا تعود كما كانت. وتتراكم آثار هذه التجارب داخل المجتمع حتى عندما تختفي الاحتجاجات من الشوارع.

تتسع هذه الفجوة حين تشعر جماعات مختلفة بأنها لا تحظى بالمساواة أو الحماية، فقد اشتكت أقليات قومية ودينية من التمييز والقيود، في حين واجهت النساء قوانين وممارسات تتدخل في حياتهن الشخصية. ولا تتطابق مطالب هذه الفئات، لكن استمرارها يضيف إلى الغضب الاقتصادي شعوراً بأن الدولة لا تسمع مواطنيها على قدم المساواة. وكلما اتسعت دائرة المتضررين أصبح الحفاظ على الاستقرار بالقوة أصعب وأكثر كلفة.

تكشف أوضاع بعض المناطق المهمشة عن وجه آخر للأزمة، فالفقر وغياب الخدمات والشعور بالإهانة يمكن أن تدفع الشباب إلى اليأس، وتفتح المجال أمام جماعات متطرفة أو شبكات تستغل غضبهم. ولا يعني ذلك تبرير العنف، بل إدراك أن الأمن وحده لا يعالج الظروف التي تساعد على انتشاره. وتزداد المخاطر حين تُقابل مطالب السكان بالاحتقار بدلاً من الإنصاف.

من مظاهر الخسارة كذلك رحيل أصحاب المهارات بحثاً عن فرص أفضل. فهجرة الكفاءات لا تحرم البلاد من علماء وأطباء ومهندسين فحسب، بل تُضعف قدرتها على إصلاح قطاعاتها وتطوير اقتصادها. وعندما يرى الشباب أن التعليم والاجتهاد لا يفتحان أمامهم طريقاً واضحاً، يتراجع إيمانهم بالمستقبل داخل بلدهم. ولا تستطيع دولة أن تعوّض هذه الخسارة بسهولة، مهما امتلكت من موارد طبيعية.

كذلك يضعف النظام حين يخلط بين بقاء السلطة ومصلحة البلاد، فإيران دولة وشعب ومجتمع أوسع من مؤسسات الحكم القائمة. والمطالبة بالعدالة أو العمل أو حرية المعتقد لا تعني العداء للبلد، بل تعبر عن رغبة كثيرين في حياة أكثر أمناً وكرامة. لكن تصوير كل اعتراض على أنه تهديد وجودي يترك مساحة ضيقة للحوار والإصلاح، ويدفع السلطة إلى الاعتماد المتزايد على أجهزتها الأمنية.

لا يعني اجتماع هذه الضغوط أن سقوط النظام بات وشيكاً، فقد تجاوز أزمات حادة من قبل، وما زال يملك وسائل قمع ومصادر نفوذ وقدرة على تعبئة أنصاره. لكن قدرته على البقاء لا تمحو أسباب الضعف. فالنظام الذي يحتاج باستمرار إلى إسكات الغضب، ويعجز في الوقت نفسه عن وقف تدهور المعيشة واستعادة ثقة المواطنين، يبدو أكثر تماسكاً من الخارج مما هو عليه في الداخل.