ما نشهده اليوم ليس مجردَ تكاثرٍ للأزمات، بل تحول بنيوي في النظام الدولي، ينتقل فيه العالم من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى تعددية قطبية تنافسية. فالولايات المتحدة والصين تتنازعان النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، وأوروبا وروسيا تتنازعان على إعادة رسم حدود الأمن القاري، فيما تتَّسع الفجوة السياسية والاقتصادية بين الشمال والجنوب. وفي الشرق الأوسط، تتباين مواقفُ الدول العربية من إيرانَ وإسرائيل. وبذلك لم يعد الاستقطاب عسكرياً فقط، بل أصبح تجارياً وتكنولوجياً وطاقياً وإعلامياً أيضاً.
في هذا السياق، يطرح سؤال مختلف حول معنى القوة: هل تكمن قوة الدولة في انخراطها الكامل في أحد المعسكرات، أم في قدرتها على الاحتفاظ بهامش من الاستقلال، والتواصل مع أطراف متنافسة في الوقت نفسه؟ فالتأثير في النظام الدولي المعاصر لا ينبع دائماً من قيادة محور، بل قد ينتج أيضاً من القدرة على الربط بين المحاور، وبناء الثقة، وتحويل الموقع الوسيط إلى رأسمال سياسي واقتصادي ودبلوماسي.
وتظهر عناصر هذا النموذج، بدرجات متفاوتة، في تجارب المغرب والسعودية والإمارات والهند وتركيا والبرازيل وإندونيسيا. ورغم اختلافِ سياساتها، يجمع بينها توسيعُ هامش الحركة بين مراكز قوة متعددة، مع ثبات المصالح ومرونة الشراكات.
هذا النمط من الدول يسمى «دول الجسور». ولا تحيل التسمية إلى موقع جغرافي فحسب، بل إلى وظيفة سياسية: الجمع بين وضوح المصالح، وتعدد الشراكات، والتواصل مع قوى متنافسة من دون التبعية لأي منها. وهي تنتج الثقة، وتفتح قنوات الاتصال، وتحول الربط والوساطة إلى نفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي.
ينبغي التمييز بين دولة الجسر والدولة المتأرجحة: فالأخيرة تغيّر مواقعها تحت الضغط أو طلباً لمكاسب ظرفية، بينما تنوّع الأولى شراكاتها وفق رؤية ثابتة لمصالحها. فالاستقلالية الاستراتيجية لا تعني غياب الالتزامات، بل رفض اختزال السياسة الخارجية في الاصطفاف الأحادي. وتوضح السياسة الخارجية للسعودية جانباً من هذا المنطق؛ إذ تحافظ على شراكاتها مع الغرب، مع توسيع تعاونها مع الصين وروسيا، في انتقال من التحالف الكامل إلى تعدد الشراكات.
وتظهر صورٌ أخرى في تجارب الهند والبرازيل وتركيا. فالهند تجمع بين شراكتها مع الغرب وعلاقاتها الاستراتيجية مع روسيا؛ والبرازيل بين عضويتها في «بريكس» وعلاقاتها الغربية؛ وتركيا بين عضويتها الأطلسية وعلاقاتها مع روسيا وإيران والصين. لكن تعدد العلاقات لا يصنع جسراً تلقائياً ما لم تدعمه الثقة والاستمرارية.
ويقدم المغرب نموذجاً مهماً لفكرة دولة الجسر. فموقعه لا يختزل في القرب الجغرافي من أوروبا، بل يتقاطع فيه الانتماء الأفريقي والعربي والمتوسطي والأطلسي. كما تجمع سياسته الخارجية بين شراكات تاريخية مع الولايات المتحدة وأوروبا، وتعزيز حضوره المؤسساتي والاقتصادي في أفريقيا، وانفتاح متنامٍ على الصين وروسيا وتركيا، فضلاً عن روابطه مع دول أميركا اللاتينية. وتتحول هذه الهوية المتعددة إلى مورد استراتيجي حين تدعمها شبكات دبلوماسية واقتصادية وبرلمانية، وبنى لوجستية ومالية تربط بين فضاءات مختلفة. وبذلك لا يكون المغرب مجرد نقطة عبور جغرافية، بل فاعل يسعى إلى ربط أوروبا بأفريقيا، والمجال الأطلسي بالساحل، والفضاء العربي بعمقه الأفريقي.
لا يكفي الارتباط بأطراف مختلفة كي تصبح الدولة جسراً. فنجاح هذا الدور يتطلب وضوح المصالح، واستمرارية السياسة الخارجية، وقبولاً من أطراف متنافسة، ومؤسسات قادرة على تحويل العلاقات إلى مبادرات، ومنفعة ملموسة كالوساطة والاستثمار والربط اللوجستي والتعاون التنموي. ومن دون ذلك، قد يصبح تعدد العلاقات مناورة ظرفية.
لا يحتاج النظام الدولي إلى قوى الردع والتحالفات فحسب، بل أيضاً إلى دول تحدّ من تكاليف الاستقطاب وتمنع المنافسة من التحول إلى قطيعة. فالجدران التجارية والتكنولوجية، وإغلاق الحدود، وتسييس الممرات وسلاسل الإمداد، تجعل إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مورداً استراتيجياً.
وفي مقابل «دولة الجسر»، يمكن الحديث عن «دولة الحاجز»؛ أي الدولة التي تجعل القطيعة والضغط والإقصاء أدوات دائمة في سياستها الخارجية. وربما تمنحها هذه الأدوات قدرة مؤقتة على الإكراه، لكنها تستنزف رصيدها من الثقة، وتضعف أهليتها للوساطة، وتحولها من منتج للاتصال إلى منتج للانقسام. فالربط والإقصاء ليسا أداتين مختلفتين فحسب، بل فلسفتان متعارضتان في تصور العلاقات الدولية.
في عالم يزداد فيه الاستقطاب، لن تُقاس قوة الدول بما تملكه من أدوات الإكراه، بل بما تستطيع الحفاظ عليه من قنوات اتصال. فدولة الجسر لا تلغي الخلافات، ولا تقف بالضرورة على مسافة واحدة من الجميع، لكنها تمنع الاختلاف من التحول إلى عزلة دائمة، وتحافظ على إمكان التفاوض حين تبدو القطيعة هي الخيار الأسهل. وقد تكون هذه القدرة على إبقاء المستقبل مفتوحاً أحد أهم أشكال القوة في النظام الدولي الجديد.
