يأتي خروجُ القواتِ الأميركية والأخرى الدوليةِ المتحالفةِ في أصعبِ الأيام وأخطرِها، وسطَ الحرب الأميركية الإيرانية.
وخلال السَّنوات العشرِ الماضية سعتِ القوى والمؤسساتُ العراقية إلى الحفاظ على سيادةِ العراق واستقلاليةِ قراره. ومع خروجِ الأميركيين يريد الإيرانيون أن يحلُّوا محلَّهم. وتشير دلائلُ مشروع طهران إلى أنَّه يهدف للسيطرة على قرارِ بغداد والهيمنة على مفاصلِ الدولة الرئيسية مثلَ العسكرية والأمنية والبرلمان.
وبخروج القواتِ الأميركية يواجه العراقيون خطرَ فراغ أمنيّ وسياسيّ يعيد إلى الأذهان ما حدثَ من فراغ في أفغانستان والصومال، بعد انسحابٍ مشابه مع اختلاف الظروف والسياقات.
ولإيرانَ نماذجُ للسيطرة على قرار الدول التي استهدفتها من خلال خلقِ قوى موازيةٍ للدولة تسيطر عليها مثل «حزب الله» في لبنانَ، والحوثيين في اليمن. والآن يواجه العراقُ تحديَ صونِ استقلاله وسيادته.
ما قد يحدث تالياً يثير القلقَ لدى الشَّريحة الأكبر من العراقيين، وكذلك لدى الدولِ المجاورة، سوريا والسعودية والأردن والكويت.
خياراتُ المواطن العراقي، بغضِّ النَّظر عن ميوله السياسية أو انتماءاتِه، ستقرّر مستقبلَه ومستقبلَ أطفالِه وبلاده. هل يريد العراقُ أن يصبحَ مثل لبنان واليمن، اللذين أسهمت هيمنة طهرانَ عليهما في الفشل والإفلاس والفوضى؟ أم أن يتحوَّل العراق إلى بلدٍ مستقر وناجح اقتصادياً مثل جيرانه العرب والأتراك؟ الطريقُ للخروج من دائرة الخطر الإيراني قد لا يكون مفروشاً بالسَّجاد والزعفران، بل يتطلَّب الأمر المصارحة والإصرار على سيادة الدولة العراقية. إيران ستدرك أنَّها لن تهيمنَ إن شعرت بإجماع العراقيين على رفضها، ومهما بلغ بها طموحُها في الجارة الغنية لا تريد في النهاية أن تصبح عدواً لغالبية الشَّعب العراقي.
ما بدأه بشجاعةٍ رئيس الحكومة، علي الزيدي، بدعوته إلى حصر السّلاح بيد الدولة خطوةٌ أولى ورئيسية لتقويةِ العمود الفقري الأمني وستكون مفتاحَ استقرار العراق.
يحتاج العراق من ضمن ما يحتاج إلى بناء اقتصادٍ متنوع منفتح على العالم لتقليل النفوذِ الخارجي. مستقبل العراق، الذي تحدَّث عنه الزيدي نفسه، يكمنُ في قوةٍ اقتصادية ناجحة لا أن يكونَ بلد ميليشيات، أو مرتهناً للمعونات الخارجية. فالقوة الاقتصادية تلعب دوراً موازناً مع القوى الإقليمية، ومنها إيران التي يمكن أن تكون شريكاً اقتصادياً لا أن تجعلَ العراقَ جمهوريةَ موز تابعة لها.
ستتطلَّب مرحلةُ ما بعد خروج الأميركيين معالجةَ الجروح المحلية التي لم تلتئم تماماً، والعودة إلى الحوار للاتفاق على الثوابت الوطنية، ومنها احترامُ الدستور والحدود والسيادة بدلاً من التنازع على النفوذ الفئوي. فالاندفاعُ الميليشياوي للاستعانة بإيران سيتسبَّب في إيقاظ القوى الطائفية والإقليمية وجرّ البلاد إلى دورة عنف أخرى.
رئيسُ الحكومة، رغم أنَّه لم يتولَ قيادة العراق إلا منذ أربعة أشهر، صارت له ثقةٌ عند معظم الأوساط المحلية، اكتسبها بقراراته ضدَّ الفساد والتَّسلط، وببرنامجه الاقتصادي التنموي.
وللعلاقات الإقليمية دورٌ أساسي في دعم استقلال العراق بحكم الجغرافيا والمصالح المشتركة. فإيران جارٌ مهمٌّ للعراق، ولا أحد يتوقع إلا أن تكون العلاقةُ معها إلا قوية، إنَّما دون أن تنحدر، بعد الخروج الأميركي، إلى مستوى الهيمنة والاستخدام الإقليمي. وفي الميزان نفسه، يترقَّب الطرفان الخليجيُّ والأردني ما ستؤول إليه الأمور داخل الجار العراقي. مصلحة هذه الدول تتمثَّل في أن تكون في بغداد دولةٌ مركزيةٌ ناجحة ذات سيادةٍ حقيقية على قراراتها، وليست تابعة لقوى إقليمية تسعى لتسخيرها جبهةً معاديةً واستهداف الدول المجاورة. والأمر نفسه ينسحب على العلاقة مع سوريا ذات الامتداد الحدودي الواسع معها.
ومع تزامن حدثين كبيرين، الحرب الإيرانية الأميركية، ومغادرة الأميركيين العراق، تزايدت النشاطات المعادية لدول المنطقة والتهديدات. ولا يمكننا أن نأخذَ على محمل الجد ما يصدر في المنابر غير الرسمية العراقية، التي تتوعَّد سوريا والخليج لكنَّ هذه الأصوات التحريضيةَ تسهم في رفع مستوى التوتر والتحشيد السياسي.
للأسف عرفتِ المنطقةُ العراقَ لنحو أربعة عقود، تحت حكم البعث، كمصدرٍ للأزمات للدول المحيطة، من تركيا إلى الكويت وسوريا. وبسبب السياساتِ العدوانية لنظام البعث كان الخلاصُ منه مطلباً عراقياً وإقليمياً رغم نفورِ الكثيرين من أن يأتيَ التغيير على يد الاحتلال الأميركي.
الجميع يرغب في أن يرى العراقيين أخيراً يتمتَّعون بدولةٍ مستقرة ومزدهرة تتشارك مع البقية في التَّنمية وترسيخ السلم والتعاون الإقليمي. العراق والمنطقة يمرَّان بمرحلةٍ دقيقة وخطيرة تتطلَّب الوضوحَ والتعاونَ ليخرج الجميع منها سالمين.
