ذكرت الحكومة البريطانية عبارة «الذكاء الاصطناعي السيادي» خلال العام الماضي أكثر من أي إدارة أخرى في العالم على الأرجح. وفي الشهر الماضي، صرحت ليز كيندال، وزيرة التكنولوجيا، بأنَّ بريطانيا «يجب أن تكون صانعة للذكاء الاصطناعي، لا مجرد متلقية له». ورغم أنها عبارة ذات وقع رنان فإن عقود التوريد تكشف عن واقع مغاير تماماً.
فمن قطاع الرعاية الصحية إلى العدالة، دأبت الهيئات التابعة للحكومة البريطانية على توقيع صفقات للحصول على أدوات الذكاء الاصطناعي المطورة بالكامل تقريباً في المختبرات الأميركية. ومن المقرر أن يعمل روبوت الدردشة الجديد لموقع «gov.uk» -الذي سيساعد الأفراد في تحديث رخص القيادة أو الحصول على استشارات تنظيمية لتأسيس الشركات- بواسطة نموذج «كلود» التابع لشركة «أنثروبيك» الأميركية. كما وقعت وزارة الدفاع البريطانية مؤخراً عقداً بقيمة 240 مليون جنيه إسترليني (324 مليون دولار) مع شركة «بالانتير تكنولوجيز» لتوريد برمجيات ذكاء اصطناعي مخصصة للاستهداف والتحليل العسكري.
وفي خطوة بدت وكأنها محاولة محرجة للتعويض الزائد، وصف الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، جينسن هوانغ، الاستثمار في مراكز البيانات البريطانية في العام الماضي بأنه ضروري لبناء «ذكاء اصطناعي سيادي»، نظراً إلى أن بريطانيا تُعدّ «أكبر منظومة للذكاء الاصطناعي في العالم تفتقر إلى بنيتها التحتية الخاصة».
وقال الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت»، ساتيا ناديلا، بعد تعهده بإنفاق المليارات لبناء مراكز بيانات في المملكة المتحدة: «بالنسبة إليّ، الأمر لا يتعلق بالتخلي عن السيادة، وإنما بالحصول على قوة دفع أكبر لممارسة تلك السيادة». وأضاف أنه من خلال الشراء من مزودين أميركيين موثوقين، يمكن لبريطانيا خلق أساس لبناء المزيد من التكنولوجيا.
وعلى الرغم من النبرة الجادة التي يتحدث بها ناديلا فإن هذا الوعد يظل وعداً أجوف، لا سيما أنه يتعارض مع التفسير الذي قدمه البيت الأبيض نفسه لسبب سماحه ببيع رقائق «إنفيديا» إلى الصين: ليس لتمكين الصينيين من تحقيق ابتكارات أكبر، وإنما لإبقائهم معتمدين على الخبرة الفنية الأميركية، وخنق جهود النمو للموردين المحليين مثل شركة «هواوي تكنولوجيز». وإذا كانت السيادة تعني السيطرة فإن بريطانيا تتخلى عنها بالحماس نفسه الذي باعت به المطارات، وشركات تصنيع السيارات العريقة، وشركات التكنولوجيا المحلية الواعدة مثل «ديب مايند» و«إيه آر إم القابضة» لمشترين أجانب خلال العقود الأخيرة. وفي نهاية المطاف، لن يؤدي الاستمرار في الاعتماد المتزايد على «سيليكون فالي» إلا إلى زيادة الأرباح التي ستُجنى من الذكاء الاصطناعي عبر المحيط. وإذا كان المسؤولون والممولون البريطانيون يسعون حقاً إلى تحقيق السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي، فعليهم توجيه المزيد من الاهتمام للجهود المحلية الواعدة لبناء التكنولوجيا بشكل مستقل ومن نقطة الصفر. وعلى سبيل المثال، تُعدّ شركة «لوكاي لابس» شركة ناشئة مقرها لندن، وتعمل على بناء نماذج لغوية كبيرة من الصفر وتخصيصها لعملاء من الشركات والجهات الحكومية. وقد جربتُ نسخة من النموذج على تطبيق يُدعى «جي بي 1»، وعمل بكفاءة تقارب كفاءة «تشات جي بي تي» أو «كلود». وبخلاف مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى، تتجنّب شركة «لوكاي» انتهاك حقوق الطبع والنشر عبر تدريب ذكائها الاصطناعي على بيانات اصطناعية، كما أنها تنشر تلك البيانات حتى يتسنّى تدقيقها للكشف عن أي تحيز.
ومع ذلك، فإن الهيئات البريطانية التي قد تستفيد من اليقين التنظيمي الناجم عن استخدام أداة محلية وقابلة للتدقيق، تشعر بالتوجس من توقيع صفقات مع شركة «لوكاي»، وفقاً لمؤسسها ورئيسها التنفيذي جيمس درايسون. وبالطبع، تصعب منافسة مختبرات الذكاء الاصطناعي التي توفّر منصات واسعة الانتشار ومجموعة من الخدمات، مثل الدعم الإداري والهندسي، الذي يُسهل دمجها في تدفقات العمل المعقدة، ولكن ينبغي ألا يقضي ذلك على الاهتمام العام بالتجريب.
أسس درايسون وشقيقه جورج الشركة في عام 2025 بعد أن قَلَبَ إطلاق النموذج اللغوي الصيني «ديب سيك» السردية السائدة بأن «سيليكون فالي» هو الجواد الرابح الوحيد في سوق الذكاء الاصطناعي؛ إذ ظهرت شركة ناشئة صغيرة للغاية في الصين تقدم التكنولوجيا نفسها مجاناً وتطورها بهامش بسيط من التكلفة، فلماذا لا يقوم شخص ما في بريطانيا بالأمر نفسه؟ لم يكن معظم الناس ليُقدموا على هذه الفكرة. فبناء ما يُعرف بـ«النماذج التأسيسية» هو أمر باهظ التكلفة، لدرجة تبدو (كما يتضح) أن الشركات الأكثر تمويلاً في العالم هي وحدها القادرة عليه. بيد أن الأخوين درايسون نشآ في منزل تُعدّ فيه السيطرة والسيادة أمراً مقدساً؛ فوالدهما بول، العضو في مجلس اللوردات، هو رائد أعمال متمرس في مجال التكنولوجيا تحول إلى وزير للدفاع، وقد ساعد في تمويل شركتهما الناشئة. وللحصول على المزيد من السيولة النقديّة، يمكن للمؤسسين التوجه إلى صندوق الذكاء الاصطناعي السيادي الجديد في المملكة المتحدة، والبالغة قيمته 500 مليون جنيه إسترليني (670 مليون دولار). غير أن عقود المشتريات مع هذا الصندوق تقتصر على حد أقصى يبلغ 5 ملايين جنيه إسترليني فقط، وهو مبلغ ضئيل للغاية في عالم الذكاء الاصطناعي لا يشتري سوى نموذج أولي، وبالكاد يغطّي تكاليف الحوسبة اللازمة لتدريب النموذج.
وعلى الرغم من الحديث الدائر حول مفهوم «تعظيم مكانة لندن» -وهي الفكرة القائلة بأن العاصمة البريطانية أصبحت المركز الأكثر جاذبية لتأسيس شركات الذكاء الاصطناعي بفضل تجمع الكفاءات المكثف فيها- فإن النجاح في جمع تمويل ضخم من مصادر محلية يظل عقبة رئيسية تواجه الشركات الناشئة هنا وفي جميع أنحاء المنطقة. فمن بين الـ10 تريليونات يورو (11.6 تريليون دولار) التي تديرها صناديق المعاشات التقاعدية في أوروبا، تذهب نسبة 0.01 في المائة فقط إلى تمويل رأس المال الاستثماري، وفقاً لبحث أجرته شركة «أتوميكو» لرأس المال الاستثماري التي تتخذ من لندن مقراً لها. وفي المقابل، تتلقى صناديق رأس المال الاستثماري في الولايات المتحدة ثلاثة أضعاف هذا الحجم من الاستثمارات.
وتُفسر هذه الثقافة المحافظة السبب وراء كون جولات التمويل بمليارات الدولارات للشركات الناشئة البريطانية هنا تتلقى تمويلها بالكامل تقريباً بأموال دولية. وقد يسلّط هذا الضوء أيضاً على تردد مماثل لدى الإدارات الحكومية في الشراء من الموردين المحليين.
ويقول درايسون عن روّاد الأعمال البريطانيين: «نحن بحاجة إلى تغيير في العقلية والإيمان بأنفسنا». وإذا كانت حكومته توافقه الرأي، فعليها أن تقرن أقوالها بالأفعال وتترجمها إلى دعم مالي ملموس.
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
