سرطان البنكرياس... عدوانية أشد وتشخيص أصعب

علاجات مناعية حديثة لمستقبلٍ وحياةٍ أفضل

سرطان البنكرياس... عدوانية أشد وتشخيص أصعب
TT

سرطان البنكرياس... عدوانية أشد وتشخيص أصعب

سرطان البنكرياس... عدوانية أشد وتشخيص أصعب

يُعدّ سرطان البنكرياس أحد أكثر الأورام الخبيثة فتكاً، حيث ينشأ من البنكرياس، وهو عضو حيوي مسؤول عن إنتاج الإنزيمات الهاضمة التي تساعد في تفتيت الطعام، وتحويله إلى عناصر غذائية قابلة للامتصاص، كما أنه يلعب دوراً أساسياً في تنظيم مستويات السكر بالدم من خلال إنتاج هرمونات مثل الإنسولين والجلوكاجون.

سرطان خطير

ورغم أن معدل الإصابة بسرطان البنكرياس أقل مقارنةً بأنواع السرطان الأخرى؛ مثل سرطان الثدي أو الرئة، فإن خطورته تكمن في طبيعته العدوانية التي تجعله من أكثر السرطانات المميتة. ويتميز هذا النوع من السرطان بنمو سريع للخلايا الخبيثة، التي غالباً ما تنتشر إلى الأعضاء المجاورة في مراحل مبكرة قبل ظهور أي أعراض واضحة، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص وتقليل فرص نجاح العلاج.

ومن بين التحديات الرئيسية المرتبطة بسرطان البنكرياس عدم وجود فحوصاتِ كشفٍ مبكر دقيقةٍ، مثل المتوفرة لأنواع السرطان الأخرى، كسرطان الثدي أو القولون. بالإضافة إلى ذلك، فإن الأعراض المبكرة غالباً ما تكون غير محددة، حيث تشمل آلاماً في البطن، وفقداناً غير مبرر للوزن، وتغيرات في الهضم، وهي أعراض قد تتشابه مع أمراض الجهاز الهضمي الأخرى، ما يؤدي إلى تجاهلها أو تأخير تشخيصها.

ونتيجة لهذه العوامل، يتم تشخيص معظم الحالات في مراحل متقدمة، حيث يكون السرطان قد انتشر إلى الكبد أو الرئتين أو الغدد الليمفاوية، ما يجعل التدخل الجراحي مستحيلاً ويحد من فاعلية العلاجات التقليدية مثل العلاج الكيميائي أو الإشعاعي. ولذلك، فإن معدل البقاء على قيد الحياة لمرضى سرطان البنكرياس، لا يزال منخفضاً مقارنة بأنواع السرطان الأخرى، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة البقاء لخمس سنوات بعد التشخيص لا تتجاوز 10 في المائة في معظم الحالات.

وبسبب هذا الواقع القاتم، تركز الأبحاث الطبية الحديثة على تطوير وسائل جديدة للكشف المبكر، بالإضافة إلى علاجات مبتكرة مثل العلاج المناعي والعلاج الجيني، والتي قد تسهم في تحسين نتائج العلاج وزيادة فرص البقاء على قيد الحياة في المستقبل.

عوامل الخطر والأعراض

• طفرات جينية. يتطور سرطان البنكرياس عادةً من آفات ما قبل سرطانية، وأكثرها شيوعاً هو التنشؤ الظهاري داخل القنوات البنكرياسية (Pancreatic Intraepithelial Neoplasia (PanIN)). تلعب الطفرات الجينية دوراً أساسياً في تحول هذه الآفات إلى سرطان خبيث. وتشمل الطفرات الرئيسية:

-طفرة KRAS: تظهر في 90 في المائة من الحالات.

-طفرة CDKN2A: موجودة في 95 في المائة من الحالات.

-طفرة TP53: تحدث في نحو 75 في المائة من الحالات.

-طفرة SMAD4: توجد في 55 في المائة من الحالات، وترتبط بتوقعات سيئة للبقاء.

يتميز سرطان البنكرياس أيضاً بوجود بيئة ورمية ميكروية (tumor microenvironment) معقدة، تتكون من نسيج ليفي كثيف وخلايا مثبطة للمناعة، مما يعزز نمو الورم ويمنحه مقاومة قوية للعلاج.

• عوامل الخطر. في عام 2021، تم تسجيل نحو 60430 حالة جديدة من سرطان البنكرياس في الولايات المتحدة. وتشير الإحصائيات إلى أن معدل الإصابة بسرطان البنكرياس يزداد بنسبة تتراوح بين 0.5 و1.0 في المائة سنوياً، ومن المتوقع أن يصبح ثاني أكثر الأسباب شيوعاً لوفيات السرطان بحلول عام 2030، بحسب شبكة «جاما» الطبية (Jama Network).

وتشمل عوامل الخطر المعروفة لسرطان البنكرياس ما يلي:

-العمر: غالبية الحالات تُشخَّص بعد سن 65 عاماً.

-التدخين: وفقاً للجمعية الأميركية للسرطان، يزيد التدخين من خطر الإصابة بسرطان البنكرياس بمقدار الضعف مقارنةً بغير المدخنين.

-السمنة والخمول البدني: يزيدان من احتمالية الإصابة.

-مرض السكري: خصوصاً مرض السكري الجديد، الذي قد يكون عامل خطر، وأيضاً عرضاً مبكراً.

-التهاب البنكرياس المزمن: يسبب التهابات طويلة الأمد تزيد من خطر الإصابة.

-التاريخ العائلي والطفرات الجينية: الطفرات في الجينات مثل «BRCA2» تزيد من القابلية للإصابة.

• الأعراض السريرية. يصعب اكتشاف سرطان البنكرياس في مراحله المبكرة بسبب غياب الأعراض الواضحة. تشمل الأعراض الأكثر شيوعاً:

-آلام البطن: غالباً ما تمتد إلى الظهر.

-فقدان الوزن غير المبرر: علامة شائعة في الحالات المتقدمة.

-اليرقان (اصفرار الجلد والعينين): بسبب انسداد القنوات الصفراوية.

-مرض السكري المفاجئ: خصوصاً عند غير المصابين بالسمنة.

-اضطرابات الجهاز الهضمي: مثل الغثيان، والتقيؤ، وفقدان الشهية.

التشخيص والعلاج

• التشخيص، ويشمل:

+ أولاً: وسائل تقليدية. نظراً لموقع البنكرياس العميق في الجسم، وعدم وضوح الأعراض في البداية، فإن تشخيص سرطان البنكرياس يمثل تحدياً كبيراً. تشمل الفحوصات التشخيصية:

-التصوير الطبي: مثل التصوير المقطعي المحوسب (CT)، والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، للحصول على صور واضحة للبنكرياس.

-التصوير بالموجات فوق الصوتية بالمنظار (EUS): يوفر دقة تشخيصية عالية ويسمح بأخذ خزعات نسيجية.

-اختبارات الدم: مثل قياس مستضد السرطان (CA 19-9)، والذي يستخدم علامة بيولوجية، لكنه ليس دقيقاً بدرجة كافية للكشف المبكر.

+ثانياً: تطورات جديدة في التشخيص، وتشمل:

-اختبار «PAC-MANN-1» تقنية مبتكرة للكشف المبكر عن سرطان البنكرياس.

-«الإنتاج الإنزيمي للبروتياز كمؤشر لتطور السرطان».

-وتم حديثاً تطوير اختبار اسمه «PAC-MANN-1» قائم على تحليل الدم، وقد أظهر دقة تصل إلى 98 في المائة في التمييز بين سرطان البنكرياس والحالات غير السرطانية، بالإضافة إلى دقته بنسبة 85 في المائة في الكشف عن المراحل المبكرة للمرض.

ويقول البروفسور هولدن ثورب (Holden Thorp, Ph.D.) أستاذ الكيمياء في جامعة جورج واشنطن، إن إنتاج البروتياز (proteases) يُعدّ إحدى العلامات المميزة لتطور السرطان، حيث يمكن أن توفر نشاطات البروتياز المنتشرة في الجسم معلومات تشخيصية لأنواع معينة من السرطانات.

ويعد سرطان البنكرياس الغدي القنوي (PDAC) من أكثر أنواع السرطانات عدوانية، ويفتقر إلى طرق كشف مبكر فعالة، مما يجعل خيارات العلاج محدودة عند اكتشاف المرض في مراحله المتأخرة كما جاء في مجلة «Science Translational Medicine».

في هذا السياق، قام الباحث مونتويا ميرا (Montoya Mira et al) وزملاؤه بتصميم اختبار سريع وغير جراحي يعتمد على ببتيد حساس للبروتياز مرتبط بمجس نانوي مغناطيسي مُعَلَّم بصبغة فلورية. ويهدف هذا الاختبار إلى الكشف عن نشاط البروتياز في عينة دم صغيرة.

تم تحسين هذا الاختبار المبتكر، المسمى «PAC-MANN-1»، ليتمكن من اكتشاف جميع مراحل سرطان البنكرياس الغدي القنوي (PDAC) بأداء فائق مقارنةً بالمؤشر البيولوجي السريري التقليدي (CA 19-9). إضافةً إلى ذلك، استطاع اختبار «PAC-MANN-1» التمييز بين عينات سرطان البنكرياس وعينات الأفراد الأصحاء، بل وتمكن أيضاً من التفريق بين سرطان البنكرياس وأمراض البنكرياس الأخرى، مما يعزز دقته في التشخيص السريري.

ولا يقتصر دور هذا الاختبار على الكشف المبكر؛ بل يمكن استخدامه أيضاً لمراقبة تطور العلاج لدى المرضى المصابين بسرطان البنكرياس. ويمثل اختبار «PAC-MANN-1» أداة واعدة تستدعي مزيداً من التطوير السريري، إذ يمكن أن يسهم بشكل كبير في زيادة معدلات التشخيص المبكر، وتحسين فرص البقاء على قيد الحياة للمرضى المصابين بسرطان البنكرياس الغدي القنوي (PDAC).

• خيارات العلاج. يعتمد العلاج على مرحلة السرطان عند التشخيص:

-أولاً: الاستئصال الجراحي. يعد الخيار العلاجي الوحيد القابل للشفاء، لكنه متاح فقط لـ20 في المائة من المرضى الذين يتم تشخيصهم في مراحل مبكرة، وفقاً للمعاهد الوطنية للصحة.

-ثانياً: العلاج الكيميائي. يُستخدم قبل الجراحة وبعدها، وأيضاً لعلاج الحالات المتقدمة. وقد أظهر بروتوكول «FOLFIRINOX» تحسناً في معدل البقاء مقارنة بعلاج الجمسيتابين (gemcitabine) التقليدي.

-ثالثاً: العلاج الإشعاعي. يُستخدم في بعض الحالات المتقدمة بالتزامن مع العلاج الكيميائي.

-رابعاً: الرعاية التلطيفية. تهدف إلى تخفيف الأعراض وتحسين جودة الحياة لدى المرضى في المراحل النهائية.

عدم ظهور أي أعراض واضحة له يؤدي إلى تأخر التشخيص وتقليل فرص نجاح العلاج

توقعات مستقبلية

أما حول التوقعات المستقبلية وأبحاث السرطان، فوفقاً لشبكة «جاما» الطبية، فإن البحث مستمر في عدة اتجاهات لتطوير طرق تشخيص وعلاج أكثر كفاءة، من أبرزها:

-تحليل الجينات والطب الشخصي: يعمل الباحثون على فهم الطفرات الجينية المرتبطة بسرطان البنكرياس، مما يسمح بتطوير علاجات مستهدفة تتناسب مع التركيبة الجينية لكل مريض. يساعد هذا النهج في تحسين استجابة المرضى للعلاج، وتقليل الآثار الجانبية مقارنةً بالعلاج التقليدي.

-المناعة والعلاج المناعي: أحد أبرز المجالات المتقدمة في أبحاث السرطان هو تثبيط نقاط التفتيش المناعية، وهي تقنيات تهدف إلى تحفيز الجهاز المناعي لمهاجمة الخلايا السرطانية بشكل أكثر فاعلية. تعمل هذه العلاجات على تعطيل البروتينات التي تستخدمها الخلايا السرطانية للهروب من الجهاز المناعي، مما يسمح لجهاز المناعة بمكافحتها بكفاءة أكبر.

-زراعة الأعضاء المصغرة: يشهد مجال الهندسة البيولوجية تطوراً ملحوظاً، حيث يعمل العلماء على تطوير خلايا بنكرياسية اصطناعية قادرة على إنتاج الإنسولين بشكل ذاتي. ومن المتوقع أن تسهم هذه الأبحاث في إيجاد علاجات مبتكرة، لا تقتصر على سرطان البنكرياس فحسب؛ بل تشمل أيضاً مرض السكري وأمراض البنكرياس المزمنة.

-استخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص: تعتمد الأبحاث الحديثة على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل الصور الطبية وعينات الأنسجة لاكتشاف العلامات المبكرة للسرطان بدقة أعلى من الطرق التقليدية. يمكن لهذه التقنيات أن تسهم في تقليل معدلات التشخيص الخاطئ وزيادة فرص الاكتشاف المبكر.

-العلاج الجيني وتحرير الحمض النووي: تعمل الفرق البحثية على تطوير تقنيات تعديل الجينات مثل «CRISPR» لاستهداف الطفرات الوراثية المسببة للسرطان. ويُعدّ هذا المجال واعداً، حيث يمكن أن يسمح مستقبلاً بتعديل الخلايا المصابة أو استبدال خلايا سليمة بها.

وهذه الابتكارات تعكس مستقبلاً أكثر إشراقاً في علاج وتشخيص السرطان، حيث يهدف العلماء إلى تحسين معدلات البقاء على قيد الحياة والحد من تطور المرض من خلال تقنيات متقدمة ومستهدفة.

نستخلص، في النهاية، أن سرطان البنكرياس هو من أصعب الأورام الخبيثة في التشخيص والعلاج، مما يجعله من أولويات الأبحاث الطبية العالمية. ومع ذلك، فإن الاكتشاف المبكر وتطوير العلاجات المستهدفة والمناعية قد يُحدثان فرقاً كبيراً في المستقبل.

* استشاري طب المجتمع.


مقالات ذات صلة

كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

صحتك مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)

كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

يُعرف مرض باركنسون بأنه اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي يؤثر تدريجياً على الحركة والتحكم العضلي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)

لماذا يُنصح بعدم تناول الطعام قبل الخضوع لأي جراحة؟

قد يبدو الامتناع عن الطعام والشراب قبل الخضوع للجراحة إجراءً روتينياً مزعجاً؛ خصوصاً عند تحديد موعد العملية في ساعات الصباح الباكر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك طبيب ينظر إلى فحوص تصوير مقطعي للدماغ (أ.ب)

بروتين يحمي خلايا الدماغ من الشيخوخة... هل يفتح الطريق لعلاج ألزهايمر؟

اكتشف باحثون بروتيناً يحمي الخلايا المناعية في الدماغ من التدهور المرتبط بالتقدم في العمر، وهو ما قد يمهد الطريق لابتكار علاجات مستقبلية لمرض ألزهايمر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك يعاني ما لا يقل عن 3.8 مليون شخص حول العالم من مرض التهاب الأمعاء (رويترز)

قبل عقد من ظهور الأعراض... إشارات في الدم قد تنذر بالإصابة بالتهاب الأمعاء

كشفت دراسة جديدة أن أنماط الأجسام المضادة في دم الإنسان قد تتنبأ بظهور مرض التهاب الأمعاء قبل عقد كامل من تشخيصه، مما يفتح باب الأمل للكشف المبكر عن هذه الحالة.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
صحتك قد تشمل العلامات المبكرة لضعف القلب ضيق التنفس والتعب المستمر وتورم القدمين والكاحلين (بيكسلز)

5 علامات مبكرة لضعف القلب لا تتجاهلها

قد تشمل العلامات المبكرة لضعف القلب ضيق التنفس، والتعب المستمر، وتورم القدمين والكاحلين، وتسارع ضربات القلب، والدوخة أو الإغماء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل تساعد أدوية السكري والسمنة في علاج الإدمان؟

حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)
حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)
TT

هل تساعد أدوية السكري والسمنة في علاج الإدمان؟

حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)
حقنة أوزمبيك أحد مصادر أدوية «جي إل بي -1» (أرشيفية - رويترز)

تمثل اضطرابات تعاطي المواد عبئاً صحياً عالمياً كبيراً. ومع ارتفاع معدلات الانتكاس ومحدودية الخيارات الدوائية المتاحة لعلاج الإدمان على بعض المواد، تبرز الحاجة إلى علاجات إضافية، إلى جانب توسيع نطاق الوصول إلى العلاجات المعتمدة.

وفي هذا السياق، يدرس الباحثون إمكانية استخدام أدوية السمنة «جي إلى بي -1» (GLP-1)، التي تُستخدم لعلاج السكري من النوع الثاني والسمنة، في علاج الإدمان؛ نظراً إلى تأثيراتها في دوائر المكافأة في الدماغ. لكن استخدامها لهذا الغرض لا يزال قيد البحث، ولم تتأكد بعد فاعليتها السريرية.

كيف يمكن أن تؤثر أدوية «GLP-1» في الإدمان؟

طُوّرت هذه الأدوية في الأصل لعلاج الاضطرابات الأيضية، من خلال محاكاة عمل هرمون «GLP-1» الطبيعي، وتحسين تنظيم مستويات السكر في الدم، وتعزيز الشعور بالشبع. وتساعد مدة تأثيرها الطويلة على استمرار مفعولها العلاجي. ويُنتج الجسم هرمون «جي إلى بي -1» في خلايا الأمعاء، وكذلك في بعض الخلايا العصبية في منطقة جذع الدماغ.

وتشير الأبحاث إلى أن الإشارات التي ينقلها هذا الهرمون تؤثر في شبكات الدماغ المسؤولة عن المكافأة والتحكم المعرفي، بما في ذلك المسارات التي تربط المنطقة السقيفية البطنية والنواة المتكئة والقشرة الجبهية الأمامية. ويستند جانب كبير من الأدلة المتعلقة بهذه التأثيرات إلى دراسات أُجريت على الحيوانات.

وتؤثر دورات الإدمان في هذه المسارات، بما ينعكس على القدرة على التحكم في السلوك، وإشارات الدوبامين، والاستجابة للتوتر والمحفزات المرتبطة بالمواد المخدرة.

وقد تساعد أدوية «جي إلى بي -1» على تعديل بعض هذه العمليات. وأظهرت دراسات على الحيوانات انخفاض استجابات الدوبامين الناجمة عن تعاطي المواد، كما أدى دواء إكسيناتيد، في نموذج لدراسة الكوكايين، إلى تقليل إشارات الالتهاب العصبي المرتبطة بعامل نووي يُعرف باسم NF-κB في النواة المتكئة، وفق ما أفادت موقع «نيوز ميديكال».

وتشير أبحاث حديثة في مجال الاضطرابات العصبية والنفسية إلى وجود مسارات مشتركة للمكافأة والتحكم المعرفي بين الإدمان وبعض أشكال السمنة. وقد أظهرت دراسات أن الأشخاص المصابين بالسمنة لديهم اتصال وظيفي أقل بين المنطقة السقيفية البطنية والقشرة الجبهية الأمامية، لكن هذه النتائج لا تثبت أن السمنة والإدمان ينشآن عن آليات مرضية متطابقة.

كما كشفت دراسات جينية عن أساس وراثي متعدد الجينات مشترك بين اضطراب تعاطي الكحول ومؤشر كتلة الجسم، مع وجود بعض المتغيرات الجينية المشتركة التي تؤثر بصورة متعاكسة في كل منهما.

التأثير في المكافأة والرغبة في التعاطي

حددت الدراسات ما قبل السريرية إشارات هرمون «GLP-1» بوصفها أحد العوامل التي تعدّل معالجة الدماغ للمكافأة. ويقيّم الباحثون تأثيراتها السلوكية من خلال قياس استهلاك المواد طوعاً، والاستجابة للمحفزات المرتبطة بها، وعودة الرغبة في البحث عنها بعد الامتناع عنها.

وفي تجربة بشرية على أشخاص يعانون اضطراب تعاطي الكحول، قلل دواء إكسيناتيد استجابة مناطق في المخ، تشمل الجسم المخطط البطني والحاجز الدماغي، للمحفزات المرتبطة بالكحول. لكن هذه النتيجة، التي رُصدت باستخدام التصوير العصبي، لم تصاحبها انخفاضات عامة في استهلاك الكحول؛ لذلك لا يمكن عدّ تراجع الاستجابة للمحفزات دليلاً على الوقاية من الانتكاس.

وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن العلاجات القائمة على ناهضات مستقبلات «GLP-1» قد تؤثر في استجابة الدماغ للمكافأة والرغبة في التعاطي. لكن التغيرات التي تُرصد في السلوك التجريبي أو نشاط الدماغ تحتاج إلى تأكيد من خلال نتائج سريرية ملموسة، مثل الانخفاض المستمر في تعاطي المواد ومعدلات الانتكاس.

ماذا أظهرت الدراسات على الحيوانات؟

تشير أدلة متزايدة من الدراسات ما قبل السريرية إلى أن أدوية «GLP-1» قد تقلل استهلاك المواد أو قدرتها على تعزيز السلوك الإدماني، أو تحد من عودة البحث عنها، في نماذج تجريبية تتناول الكحول والنيكوتين والكوكايين والمواد الأفيونية.

ويقصد بعودة البحث عن المادة استئناف هذا السلوك بعد إيقافه تجريبياً.

وفي دراسات على القوارض والرئيسيات غير البشرية، أدت أدوية عدة، من بينها سيماغلوتايد وليراغلوتايد وإكسندين-4، إلى تقليل شرب الكحول أو السلوكيات الشبيهة بالانتكاس، مع اختلاف النتائج حسب الجرعة والمركب الدوائي والنموذج التجريبي. فعلى سبيل المثال، أدى حقن إكسندين-4 مباشرة في مناطق مرتبطة بالمكافأة، بما فيها النواة المتكئة والمنطقة السقيفية البطنية، إلى تقليل استهلاك الكحول لدى القوارض.

ورصدت بعض التجارب هذا الانخفاض من دون تغيرات مماثلة في استهلاك الماء أو الوظائف الحركية، لكن مدى خصوصية التأثير اختلف بين الدراسات.

وفي نماذج اضطراب تعاطي التبغ، نشّط النيكوتين الخلايا العصبية المنتجة لهرمون «GLP-1» في نواة السبيل المنفرد في جذع الدماغ. وعززت إشارات الهرمون عبر مسارات الحُبَين تجنب النيكوتين، في حين قلل دواء ليراجلوتايد من الإدارة الذاتية للنيكوتين، أي تناوله طوعاً في بيئة تجريبية، ومن عودة سلوك البحث عنه.

ماذا تقول التجارب السريرية على البشر؟

لم يجد تحليل تجميعي لثلاث تجارب عشوائية محكومة، شملت 430 بالغاً ودرست نتائج مرتبطة بالكحول، انخفاضاً إجمالياً ذا دلالة إحصائية في استهلاك الكحول بعد العلاج بأدوية «GLP-1». كما لم تُظهر النتائج المجمعة انخفاضاً ذا دلالة إحصائية في عدد المشروبات لكل يوم من أيام الشرب أو في الرغبة في تناول الكحول.

ومن المهم الإشارة إلى اختلاف الفئات المشاركة في الدراسات؛ إذ جاءت نتائج دواء دولاجلوتايد من تجربة للإقلاع عن التدخين، وليس من تجربة صُممت أساساً لعلاج اضطراب تعاطي الكحول. كما أن التحليل التجميعي وصف هذه العينة بصورة غير متسقة بصفتها من المصابين باضطراب تعاطي الكحول؛ ما يعقد تفسير نتائجه المجمعة.

ولم تجد تجربة خاصة بدواء إكسيناتيد فائدة عامة في خفض استهلاك الكحول. لكن تحليلاً ثانوياً أظهر انخفاض الاستهلاك لدى المشاركين المصابين بالسمنة أيضاً، التي عُرّفت بأنها مؤشر كتلة جسم يبلغ 30 كيلوغراماً لكل متر مربع أو أكثر. وتحتاج هذه النتيجة الاستكشافية إلى تأكيد، ولا تثبت أن السمنة مؤشر موثوق لتوقع الاستجابة للعلاج.

وفي تجربة منفصلة استمرت تسعة أسابيع، أدى سيماجلوتايد إلى خفض استهلاك الكحول في المختبر، وعدد المشروبات لكل يوم من أيام الشرب، والرغبة في تناول الكحول، مقارنة بالعلاج الوهمي. ولم تُجرَ مقارنة مباشرة بين سيماجلوتايد وإكسيناتيد؛ ولذلك لا يمكن الاستنتاج من هاتين التجربتين أن أحد الدواءين يتفوق على الآخر.

أما نتائج دراسات الإقلاع عن التدخين، فجاءت متباينة. فقد أظهرت تجربة صغيرة أن إضافة إكسيناتيد إلى لصقات النيكوتين حسّنت الامتناع عن التدخين وقللت زيادة الوزن بعد الإقلاع عنه.

لكن تجربة أكبر اختبرت إضافة دولاجلوتايد إلى فارينيكلين لم تجد تحسناً في معدلات الامتناع عن التدخين، رغم انخفاض زيادة الوزن خلال فترة العلاج. ولم يستمر هذا الأثر المتعلق بالوزن خلال المتابعة الأطول.

كذلك، لم تجد دراسة صغيرة استخدمت جرعة واحدة من إكسيناتيد لدى أشخاص يعانون اضطراب تعاطي الكوكايين انخفاضاً في الاستهلاك الذاتي للكوكايين أو في آثاره التي أبلغ عنها المشاركون.

لا تزال الحاجة قائمة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد مدى فعالية أدوية «GLP-1» في علاج اضطرابات تعاطي المواد، وتقييم سلامتها على المدى الطويل، ومعرفة الفئات التي قد تستفيد منها، قبل التوصل إلى استنتاجات بشأن إمكانية استخدامها علاجاً للإدمان.


كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)
مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)
TT

كم ساعة نشاط بدني أسبوعياً تبطئ تقدم مرض باركنسون؟

مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)
مرض باركنسون هو اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي (أ.ف.ب)

يُعرف مرض باركنسون بأنه اضطراب تنكسي مزمن في الجهاز العصبي المركزي يؤثر تدريجياً على الحركة والتحكم العضلي.

وتشير الدراسات إلى أن ممارسة النشاط البدني بانتظام قد تساعد على إبطاء تراجع القدرات الحركية وتحسين جودة الحياة لدى المصابين بمرض باركنسون. ويُنصح غالباً بممارسة نحو 150 دقيقة أسبوعياً من التمارين المناسبة للحالة، مع تمارين التوازن والقوة، بعد استشارة الطبيب. لكن لا توجد مدة محددة ثبت أنها توقف تطور المرض أو تبطئه بشكل مؤكد.

ما هو مرض باركنسون؟

• يحدث نتيجة تلف أو موت الخلايا العصبية في جزء من الدماغ يُسمى «المادة السوداء».

• تتوقف هذه الخلايا عن إنتاج الدوبامين، وهو ناقل عصبي مهم ينظم حركة الجسم وتوازنه.

• يُعد التقدم في العمر هو عامل الخطر الأبرز، وغالباً ما تبدأ الأعراض في الظهور بعد سن الخمسين.

مستويات النشاط البدني:

نشاط منخفض:

مستويات قليلة من الحركة أسبوعياً.

نشاط متوسط:

مستويات معتدلة من النشاط البدني التي أظهرت الدراسات ارتباطها بتباطؤ واضح في التدهور الإدراكي والحركي.

نشاط مرتفع:

مستويات عالية من النشاط البدني، حيث تشير بعض الملاحظات إلى أن زيادة المجهود المفرط قد لا تعطي بالضرورة فوائد إضافية مضاعفة للذاكرة والتفكير مقارنة بالنطاق المعتدل.

تشير التوصيات العامة إلى أن الحفاظ على مستوى منتظم من النشاط البدني أسبوعياً يساعد في الحفاظ على الصحة البدنية وتقليل حدة الأعراض.


لماذا يُنصح بعدم تناول الطعام قبل الخضوع لأي جراحة؟

الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)
الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)
TT

لماذا يُنصح بعدم تناول الطعام قبل الخضوع لأي جراحة؟

الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)
الامتناع عن الطعام قبل الجراحة خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض(رويترز)

قد يبدو الامتناع عن الطعام والشراب قبل الخضوع للجراحة إجراءً روتينياً مزعجاً؛ خصوصاً عند تحديد موعد العملية في ساعات الصباح الباكر، ولكنه في الواقع خطوة أساسية لتقليل مخاطر التخدير والمضاعفات التي قد تهدد حياة المريض.

وتختلف مدة الصيام المطلوبة وفقاً لنوع الطعام والشراب، والحالة الصحية للمريض، وطبيعة العملية والتخدير المستخدم، حسب موقع «أونلي ماي هيلث» العلمي.

فلماذا يجب الامتناع عن الطعام قبل الجراحة؟

يتمثل السبب الرئيسي للصيام قبل الجراحة في تقليل خطر الشفط الرئوي، وهي حالة ترتد فيها محتويات المعدة، مثل الطعام أو السوائل، إلى القصبة الهوائية والرئتين بدلاً من انتقالها عبر الجهاز الهضمي بصورة طبيعية، ما قد يؤدي إلى التهابات ومشكلات خطيرة في التنفس، وقد تؤدي في الحالات الشديدة إلى مضاعفات تهدد الحياة.

وفي الظروف المعتادة، يمتلك الجسم ردود فعل وقائية، مثل السعال والبلع، تساعد على منع دخول الطعام والسوائل إلى الجهاز التنفسي. ولكن أدوية التخدير العام تؤدي إلى فقدان الوعي وإضعاف هذه الآليات الوقائية، كما قد ترخي العضلات التي تساعد على منع ارتداد محتويات المعدة إلى المريء.

لماذا تختلف مدة الصيام من طعام إلى آخر؟

تظل الأطعمة داخل المعدة فترة تختلف حسب نوعها وكميتها، قبل انتقالها تدريجياً إلى الأمعاء الدقيقة.

وتحتاج الوجبات الدسمة والغنية بالدهون إلى وقت أطول للهضم ومغادرة المعدة مقارنة بالسوائل الصافية، وهو ما يفسر اختلاف فترات الامتناع عن الطعام والشراب قبل العمليات.

وبالنسبة إلى كثير من البالغين الأصحاء الذين يخضعون لعمليات اختيارية، تتضمن الإرشادات الشائعة للتخدير الفترات التالية:

السوائل الصافية:

يمكن عادة تناولها حتى ساعتين قبل التخدير، وتشمل الماء والعصائر المصفاة، والشاي أو القهوة من دون حليب.

الوجبات الخفيفة:

تتطلب عادة الامتناع عن الطعام لمدة 6 ساعات على الأقل قبل التخدير.

الوجبات الثقيلة أو الغنية بالدهون:

قد تتطلب صياماً لمدة 8 ساعات أو أكثر، نظراً إلى بطء إفراغ المعدة بعد تناولها.

وتظل هذه المدد إرشادات عامة وليست قواعد تنطبق على جميع المرضى؛ إذ قد تستلزم بعض الحالات الصحية احتياطات مختلفة، ولذلك ينبغي الالتزام بالتعليمات المحددة التي يقدمها فريق الجراحة والتخدير.

ماذا يحدث إذا تناول المريض الطعام قبل العملية؟

في هذه الحالة، يقيِّم طبيب التخدير مقدار الخطر وفقاً لنوع الطعام أو الشراب الذي تناوله المريض، وكميته، والوقت المنقضي منذ تناوله، إلى جانب حالته الصحية ونوع التخدير المخطط له.

وقد يقرر الفريق الطبي تأجيل العملية أو إعادة جدولتها إذا رأى أن المعدة لم تفرغ بصورة كافية، وأن استمرار الجراحة في موعدها قد يعرض المريض لمخاطر إضافية.

لكن تناول الطعام قبل العملية لا يعني بالضرورة حدوث مضاعفات؛ إذ يعتمد القرار على تقييم الحالة. والأهم هو إبلاغ الفريق الطبي بكل دقة عن أي طعام أو شراب تم تناوله عن طريق الخطأ، وعدم إخفاء هذه المعلومات، حتى لو كانت الكمية صغيرة.