أندريه فالنتينو
محب للتجول حول العالم، وخصوصا الشرق الأوسط
TT

زيارة إلى الأردن

مثل الطالب المجتهد الذي يجلس في الصف الأول من الفصل ويواصل دراسته غير آبه كم يبلغ إزعاج زملائه، تجنب الأردن حتى الآن الانزلاق إلى المجرى الذي ينزلق فيه العديد من جيرانه حالياً. وإلى الشرق من الأردن لا يزال العراق معذباً بنوبات البارانويا الطائفية، وإلى الغرب عبر نهر الأردن تبدو التسوية بين الإسرائيليين والفلسطينيين مستحيلة، كما كانت أبداً. وعلى بعد خمسين كيلومتراً فقط شمال العاصمة الأردنية، ينهمك السوريون في مجزرة لا يمكن تصورها. وقد يستمر القتل هناك لسنوات.
ولعل جميع الأسئلة الماكرة التي وجهت إليّ حول حكمة زيارة مثل هذا الجزء المضطرب من العالم ليست جميعها غريبة. وتذكروا منذ زمن ليس بعيد منظر السياح وهم يتجمعون في مناطق حلب ودمشق القديمة كما يتجمع الحمام حول فتات الخبز القديم. الآن أجزاء كبيرة من المدينتين سلبتها فرق الموت والقناصة. لحسن الحظ لم يتعرض الأردنيون إلى صدمات العالم العربي الأخيرة مباشرة، على الرغم من أن زيارة عمان تجربة ليست مريحة بعض الشيء على كل حال. أن تعرف أن الأطفال يتعرضون للقتل في أي مكان تجعلك تشعر بالغثيان. أما أن يكونوا يتعرضون للقتل على بعد مسافة ساعة بالسيارة من الفندق الذي تقيم فيه، فمن الطبيعي أن يضاعف ذلك تلك الأحاسيس.
لا تبدو عمان حتى الآن كمدينة تخنقها الحرب. فهي نظيفة ومزدهرة نسبياً، ومتحررة أيضاً. فحوالي نصف النساء اللاتي رأيتهن كنّ حاسرات الرأس، كما بدا الكثير منهن يقضين أمسياتهن في الأماكن الساحرة. عمان مثل روما بنيت على سبع تلال، وعلى الرغم من انها مدينة حديثة تماماً، باستثناء المسرح المدرج القديم والقصر الإسلامي الذي يرجع إلى القرن التاسع، فإن معظم المباني بُنيت بعد عام 1900. وتتراص المنازل البيضاء الشرق أوسطية على سفوح تلال المدينة ككتل من السكر. على الرغم من اكتظاظ نصف مليون سوري في الضواحي الشمالية قرب عمان فإن السكان المحليين هادئون ويبدون واثقين من مقدرتهم على سد فيض اللاجئين في نهاية الأمر. وكانت أصعب امرأة منقبة قابلتها سعيدة وهي تصف لي الاتجاهات لأصل إلى مكان أقصده، خاصة عندما قوبل ذلك بكلمة "شكراً" ركيكة مرحة وغير متوقعة مني. حتى المنطقة المتسخة قرب المسرح الروماني التي يقع بها سوق الحيوانات بزعيقه وهياجه لا يشعرك بالكثير من الخوف. وأكبر تحدٍ في تلك المنطقة هو تجنب أن تطأ قدمك وأنت تخطو على الرصيف أوزة شاردة.
ربما أمكن تفسير كرم سكان عمان من طعامهم. ولبنان هو البلد العربي الأشهر من حيث الطعام، لكن الأردنيين لا يشعرون بالجوع كثيرا، ففي كل زاوية من زوايا عمان ترى الرجال في معاطفهم التي عليها الزيت وهم يتصدقون بالبيض المسلوق وكؤوس القهوة الحلوة التي هي بلون حقول الملفوف قبل حصاده. وفي العشاء تحدتني أطباق المزة الممتلئة مثل الكباب والحمص وجبنة الحلوم المقلية والكبة. وهذا الطبق الأخير هو من نوع كرات اللحم المقلية الشامية مع البصل والبرغل والصنوبر.
كان جميع الأجانب الذين رأيتهم في عمان عربا من دول الخليج ظاهرين بسياراتهم الفارهة وأثوابهم الأنيقة. معظم الغربيين يهملون عمان ويذهبون جنوباً إلى البتراء أو إلى البحر الميت.
حقاً حتى بدء القتال في سوريا لم تكن عمان تستهوي الزوار كثيرا، فهي جديدة مقارنة بأسواق سوريا القديمة في المدن الكبرى. وربما لايزال الحال على ما هو عليه. لكن حلب الآن قفر موحش، وتقدم عمان للزوار لمحة من الشرق الأوسط غير ملوثة بالحرب أو الإرهاب الجماعي.
زر عمان على الأقل حتى تطمئن نفسك أنه على الرغم من أن جميع المنطقة قد تكون مخيبة للأمل بصورة شديدة، فإن الطالب الهادئ في مقدمة الفصل يدرس بجد بغض النظر عما حوله.