الأسئلة التي يجب طرحها قبل الحرب العالمية الثالثة

الأسئلة التي يجب طرحها قبل الحرب العالمية الثالثة

الاثنين - 11 جمادى الأولى 1444 هـ - 05 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [16078]

في مارس (آذار) الماضي، عندما كان الرئيس بايدن يواجه ضغوطاً لتكثيف التدخل الأميركي في أوكرانيا، استجاب باستدعاء شبح الحرب العالمية الثالثة أربع مرات في يوم واحد.
قال بايدن إن «الصراع المباشر بين الناتو وروسيا هو حرب عالمية ثالثة، وهو ما يجب أن نسعى جاهدين لمنعه»، وبعد ساعات أكد هذا الأمر بقوله إن «فكرة إرسال معدات هجومية وطائرات ودبابات ومدرعات برفقة الطيارين والأطقم الأميركية، ستكون بمثابة إعلان حرب عالمية ثالثة. أتمنى أن تفهموا ذلك».
كان تحذير بايدن إشارة إلى بداية حقبة جديدة في السياسة الخارجية الأميركية، وكان بيانه هو الأقوى منذ 11 سبتمبر (أيلول) 2001. فطوال حياتي وحياة غالبية الأميركيين اليوم، رأيت الولايات المتحدة تهيمن على العالم من دون منازع ودون رادع. وقبل بضع سنوات، كان لا يزال من الممكن توقع مستقبل جيوسياسي معتدل وحميد. وعلى الرغم من أن «منافسة القوى العظمى» باتت شعار البنتاغون، فإنَّ العبارة يمكن أن تشير بسهولة إلى تنافس رياضي، بقدر ما توحي كذلك بصراع متفجر. حتماً هناك تنافس قوي بين واشنطن، وموسكو، وبكين، لكن بالتأكيد يمكنهم جميعاً التعايش.
يا للغرابة، فالولايات المتحدة الآن تواجه احتمالية حقيقية ومنتظمة لمحاربة خصوم أقوياء، قادرين على إلحاق أضرار جسيمة بالأميركيين. فقد كانت حروب ما بعد 11 سبتمبر (أيلول) مكلفة، لكن الحروب الحقيقية بين القوى العظمى من ذلك النوع الذي اعتاد ابتلاع أوروبا ستكون شيئاً آخر. فحرب كهذه ستضع الولايات المتحدة في مواجهة مع روسيا أو حتى الصين التي تنافس قوتها الاقتصادية قوة أميركا، والتي قارب جيشها على منافسة الجيش الأميركي.
لقد حل هذا الواقع الكئيب بسرعة مهولة. فمنذ فبراير (شباط) الماضي، أوجدت الحرب في أوكرانيا خطراً كبيراً قد يتسبب في نشوب صراع بين الولايات المتحدة وروسيا. وجعلت الاجتياح الصيني لتايوان في مقدمة المخاوف الأميركية وزادت من استعداد واشنطن للرد، وهو «الوضع الذي يسمى في الواقع الحرب العالمية الثالثة».
ومع كل ذلك، كم عدد الأميركيين الذين يمكنهم تصور ما يمكن أن تعنيه حرب عالمية ثالثة؟ فمثلما يلوح في الأفق صراع القوى العظمى مجدداً، فقد أوشك أولئك الذين شهدوا الحرب العالمية الثانية على الاختفاء بعد أن تقدم بهم العمر. فما يقرب من واحد بالمائة فقط من قدامى المحاربين الأميركيين في الحرب العالمية الثانية لا يزالون على قيد الحياة ليرووا قصصهم للأجيال الجديدة. فالتقديرات تشير إلى أنه بحلول نهاية العقد الحالي، سيبقى على قيد الحياة أقل من عشرة آلاف من المحاربين القدماء. الغالبية العظمى من الأميركيين اليوم لم يعتادوا على تحمل مصاعب خيارات السياسة الخارجية، ناهيك بالخسائر في الأرواح وفي الثروة التي قد يجلبها الصراع المباشر مع الصين أو روسيا.
إن إعداد البلاد لا ينبغي أن يبدأ بالدبابات والطائرات والبوارج الحربية، نظراً لتبعات ذلك وما يتطلبه من جهد للتعافي. لذلك هناك حاجة لتمكين الشعب الأميركي من التفكير فيما إذا كان يرغب في الدخول في حرب كبرى إذا وصلت لحظة القرار، أم لا.
لا يمثل الإبحار في صراع القوى العظمى تحدياً جديداً للولايات المتحدة. فبحلول عام 1945، كان الأميركيون قد خاضوا حربين عالميتين. صحيح أن البلاد خرجت منهما منتصرة، لكنهما نكآ جراحها. وحتى عندما دفعت الحروب بالولايات المتحدة إلى قيادة العالم، خشي القادة والمواطنون الأميركيون من احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة، وهو حالنا اليوم عندما نتطلع إلى استبعاد أي تفكير في نشوبها.
على مدى أربعة عقود، توقع رؤساء الولايات المتحدة في فترة ما بعد الحرب أن الحرب الساخنة المقبلة ستكون على الأرجح أسوأ من الحرب السابقة، إذ قال الرئيس الأميركي الراحل هاري ترومان (تولى المنصب 1945 - 1953): «في العصر النووي، سنكون نحن جبهة القتال. يمكننا أن نتوقع الدمار هنا، تماماً شأن البلدان الأخرى في الحرب العالمية الثانية». بصيرة كهذه لم تمنعه هو أو خلفاءه من التدخل في دول العالم الثالث، بدءاً من غواتيمالا وانتهاء بإندونيسيا، حيث كانت الحرب الباردة وحشية. لكن قادة الولايات المتحدة، بغض النظر عن الحزب، أدركوا أنه إذا حدثت المواجهة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بشكل مباشر، فإن الأسلحة النووية ستؤدي إلى تدمير البر الرئيسي الأميركي.
باتت محاولات التصدي للإرهاب النووي جزءاً من الحياة الأميركية، وذلك بفضل جهد الحكومة لإعداد البلاد لمواجهة الأسوأ. فقد نصحت إدارة الدفاع المدني الفيدرالية المواطنين ببناء ملاجئ في ساحات منازلهم الخلفية والحفاظ على نظافة منازلهم من المخلفات حتى يكون هناك احتمال أقل للاشتعال حال حدوث انفجار نووي.
لقد شجع فيلم «Duck and Cover»، إنتاج عام 1951، تلاميذ المدارس على التصرف كالسلاحف، وذلك بالاختباء أسفل أي جسم صلب (طاولة أو مكتب أو أي شيء آخر قريب) لتفادي قذيفة مؤقتة - في حال سقوط قنابل نووية. وبحلول ستينات القرن الماضي، انتشرت في المدن الأميركية لافتات باللونين الأصفر والأسود تشير إلى الملاجئ.
أبقى شبح الحرب الشاملة على القوى العظمى في الحرب الباردة تحت السيطرة. ففي عام 1950، أرسل الرئيس ترومان بقوات أميركية للدفاع عن كوريا الجنوبية ضد غزو الشمال الشيوعي، لكن تصميمه كانت له حدود. فبعد أن ناشد الجنرال دوغلاس ماك آرثر، الرئيس ترومان، لقصف الصين وكوريا الشمالية بـ34 قنبلة نووية، أقال الرئيس الجنرال. وفي خطاب للأمة مستحضراً «كارثة الحرب العالمية الثانية»، قال ترومان: «لن نتخذ أي إجراء قد يحملنا مسؤولية شن حرب شاملة - حرب عالمية ثالثة».
جاء العنف الشديد للحروب العالمية وتوقع استمراريتها ليشكل قرارات الرئيس جون كيندي خلال أزمة الصواريخ الكوبية، عندما تحرك الاتحاد السوفياتي لنشر أسلحة نووية على بعد 90 ميلاً من ولاية فلوريدا. شعر الرئيس جون كيندي، الذي خدم في المحيط الهادي وأنقذ زميله الضابط البحري بعد أن غرقت سفينته، بالإحباط من مستشاريه العسكريين لتوصيتهم بتوجيه ضربات وقائية لمواقع الصواريخ السوفياتية. وبدلاً من إطلاق النار، فرض كيندي حصاراً بحرياً حول كوبا، وطالب السوفيات بسحب صواريخهم. وتبع ذلك مواجهة بين القوى العظمى استمرت أسبوعاً. لكن نحو عشرة ملايين أميركي فروا من منازلهم، وتجمهرت الحشود أمام مكاتب الدفاع المدني لمعرفة كيفية النجاة من انفجار نووي. وتراجع السوفيات بعد أن وعد كيندي سراً بإزالة صواريخ «جوبيتار» الأميركية من الأراضي التركية.
كان العالم قريباً جداً من حرب «أرمجدون» نووية لدرجة أن كيندي اتخذ الخطوات الأولى نحو الانفراجة قبل وفاته في عام 1963، لتفادي نشوب حرب عالمية ثالثة شاملة.
لكن ذاكرة العالم أحياناً يداهمها النسيان. فبعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتبدل الأجيال، أعيدت صياغة الحرب العالمية الثانية باعتبارها انتصاراً أخلاقياً، ولم تعد تروى كحكاية تحذيرية.
مع تدهور العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة، حذر منتقدو التفوق العالمي للولايات المتحدة مراراً من أن حرباً باردة جديدة تختمر تحت السطح. ورغم أنني كنت أحد هؤلاء المنتقدين، فإن الإشارة إلى حرب باردة من بعض النواحي تقلل من حجم الخطر. من غير المؤكد أن تستمر علاقات أميركا وروسيا والصين باردة. فخلال الحرب الباردة الأصلية، أدرك القادة والمواطنون الأميركيون أن البقاء على قيد الحياة ليس حتمياً.
* زميل برنامج «العمل السياسي الأميركي» في «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، ومحاضر زائر في كلية الحقوق بجامعة ييل
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو