هدنة تتحوّل حرباً مفتوحة... إسرائيل تنقل «الخط الأصفر» من جنوب لبنان إلى البقاع

إنذارات الإخلاء تمتد إلى شمال الليطاني... و«حزب الله» يكثّف عملياته

تحركات لآليات عسكرية عند الحدود مع لبنان مع الحديث عن توسيع العملية البرية (إ.ب.أ)
تحركات لآليات عسكرية عند الحدود مع لبنان مع الحديث عن توسيع العملية البرية (إ.ب.أ)
TT

هدنة تتحوّل حرباً مفتوحة... إسرائيل تنقل «الخط الأصفر» من جنوب لبنان إلى البقاع

تحركات لآليات عسكرية عند الحدود مع لبنان مع الحديث عن توسيع العملية البرية (إ.ب.أ)
تحركات لآليات عسكرية عند الحدود مع لبنان مع الحديث عن توسيع العملية البرية (إ.ب.أ)

لم تعد الهدنة في جنوب لبنان تعني وقفاً فعلياً للقتال، بل تحوّلت إلى إطارٍ مفتوح لاشتباك يومي يتوسع تدريجياً من القرى الحدودية نحو الداخل اللبناني. ومع اتساع الغارات الإسرائيلية وإنذارات الإخلاء لتشمل بلدات تقع شمال الليطاني، وصولاً إلى مشغرة وقليا في البقاع الغربي، بدا أن إسرائيل تنقل المعركة من مرحلة «احتواء الجبهة الجنوبية» إلى مرحلة إعادة رسم خرائط الضغط العسكري والأمني على امتداد الجنوب والبقاع الغربي معاً.

وفي موازاة هذا التصعيد، كثّف «حزب الله» عملياته بالمسيّرات والصواريخ ضد القوات الإسرائيلية داخل القرى الجنوبية المحتلة أو المحاذية لها، بينما دخلت المفاوضات السياسية والإقليمية على خط النار، وسط مؤشرات على أن الهدنة نفسها باتت تُستخدم منصةً لإدارة الصراع لا لإنهائه. وبذلك، تتحول مرحلة «ما بعد وقف إطلاق النار» إلى حرب منخفضة الوتيرة، لكنها مفتوحة جغرافياً وسياسياً، في ظل سعي إسرائيل إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تتجاوز القرار 1701 وحدود جنوب الليطاني.

في هذا السياق، نقلت «القناة 12» الإسرائيلية إن الجيش الإسرائيلي «يستعد ميدانياً لتوسيع العملية البرية في لبنان على خلفية خروقات «حزب الله» المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار»، في إشارة إلى احتمال انتقال التصعيد من الغارات والإنذارات إلى توسيع نطاق العمليات البرية داخل الجنوب اللبناني.

إنذارات الإخلاء تتمدّد بقاعاً

في السياق نفسه، وسّعت إسرائيل نطاق إنذارات الإخلاء لتشمل بلدات تقع بعيداً نسبياً عن الخط الحدودي التقليدي؛ إذ وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إنذاراً عاجلاً إلى سكان الريحان وجرجوع وكفررمان والنميرية وعربصاليم وجميجمة ومشغرة وقليا وحاروف، داعياً الأهالي إلى إخلاء منازلهم والابتعاد لمسافة لا تقل عن 1000 متر.

وجاءت هذه الإنذارات بالتزامن مع غارات كثيفة استهدفت كفررمان والجميجمة والقليلة وعبا وتول وشوكين وكفرتبنيت ويحمر الشقيف وحاريص، بينما استمرت الرشقات الرشاشة الإسرائيلية باتجاه أطراف الناقورة في القطاع الغربي.

دخان جراء غارة إسرائيلية على جنوب لبنان كما بدا من مرجعيون (رويترز)

شريط الاحتلال يتوسع

في خضم هذا التصعيد، أكد مصدر محلي لـ«الشرق الأوسط» أن «عدد القرى والبلدات اللبنانية المحتلة بشكل كامل بلغ 35 بلدة، بينما توجد 7 بلدات أخرى تحت الحصار المباشر، كما أن 82 بلدة وقرية تعرضت لإنذارات إخلاء إسرائيلية منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، إضافة إلى بلدات ومناطق تعرضت لاستهدافات من دون أي إنذارات مسبقة».

وفي قراءة للمشهد، قال العميد المتقاعد ناجي ملاعب لـ«الشرق الأوسط»: إن «ما يجري ميدانياً لا يمكن فصله عن البعد الجيوسياسي للصراع، إذ تُستخدم الجغرافيا في خدمة الأهداف السياسية والعسكرية الإسرائيلية». ورأى أن «مشروع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو امتداد الخط الأصفر من الناقورة حتى جبل الشيخ، بما يعكس توجهاً إسرائيلياً لتوسيع نطاق الضغط العسكري خارج الإطار التقليدي للقرار 1701 الذي كان يقتصر عملياً على جنوب الليطاني».

وأوضح ملاعب أن «الاستهدافات المتكررة لمنطقة البقاع الغربي وقطع الجسور على نهر الليطاني يهدفان إلى إفراغ هذه المناطق والتحكم في حركة العودة إليها، إضافة إلى قطع خطوط التواصل بين البقاع والجنوب اللبناني». وأضاف أن «استهداف بلدات مثل مشغرة، لبايا، زلايا وشحمر، يحمل أيضاً رسائل ضغط مباشرة على بيئة (حزب الله)».

وأشار إلى أن «إسرائيل تنظر إلى البقاع الغربي بوصفه خزاناً بشرياً ولوجستياً للحزب، خصوصاً أن خطوط نقل السلاح والذخائر تاريخياً كانت تمر من سوريا إلى البقاع ثم إلى الجنوب، ولذلك فإن تل أبيب تسعى إلى فصل هاتين الجبهتين ميدانياً».

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

الهدنة المعلّقة... والتفاوض تحت النار

وفي ما يتعلق بالتصعيد العسكري، رأى ملاعب أن «إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أن إسرائيل ليست في إطار هدنة، يعكس قناعة إسرائيلية بأن المواجهة ما زالت مفتوحة ما دام سلاح «حزب الله» قائماً». وأضاف: «من المؤسف أن الحزب لا يلتزم بقرار الدولة اللبنانية وقف القتال؛ لأن استمرار إطلاق المسيّرات أو الصواريخ يضعف الموقف الدبلوماسي اللبناني».

ورأى ملاعب أن «إيران تحاول إعادة ربط الساحة اللبنانية بمسار المواجهة الإقليمية، عبر مطالبتها بوقف شامل لإطلاق النار على كل الجبهات». وأضاف أن «هذا يعني عملياً إعادة وضع اليد الإيرانية على القرار في الجنوب اللبناني، وإعادة إنتاج دور «حزب الله» على الحدود مع إسرائيل، وهو ما ينسف المبادرات اللبنانية التي حاولت فصل الملف اللبناني عن مسار التفاوض الإيراني».

وأكد أن» الولايات المتحدة تنظر إلى أي بقاء لسلاح «حزب الله» بوصفه تهديداً مستقبلياً؛ ولذلك يجري التعامل مع الهدنة بوصفها هدنة تسمح باستمرار الاشتباك الأمني والعسكري». وأضاف: «إذا كانت الدولة اللبنانية قد اتخذت قرار وقف الأعمال العسكرية لكنها عاجزة عن تنفيذه بالكامل، فإن ذلك يمنح إسرائيل والولايات المتحدة مبرراً للقول إنهما مستعدتان لفرض هذا الواقع بالقوة».

ورأى أن «المشهد الحالي يتجاوز الاشتباكات الميدانية المباشرة، ويرتبط أيضاً بما يجري في المفاوضات الإقليمية والدولية، سواء في إسلام آباد أو في واشنطن، ضمن استراتيجية أميركية ـ إسرائيلية تهدف إلى منع أي تهديد مستقبلي لإسرائيل انطلاقاً من الجنوب اللبناني».

تصاعد الدخان من بلدة كفرتبنيت جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (رويترز)

غارات وتصعيد

ميدانياً، استهدف الطيران الإسرائيلي مسعفين من الدفاع المدني التابع لـ«الهيئة الصحية الإسلامية» في تول في أثناء تنفيذهم عمليات إغاثة؛ ما أدى إلى إصابة اثنين، بينما استُهدف منزل رئيس البلدية السابق في سجد بقضاء جزين.

كما أغارت مسيّرة إسرائيلية على محيط آلية للجيش اللبناني وسيارة إسعاف لـ«كشافة الرسالة الإسلامية» خلال مواكبتهما فريقاً لإصلاح الكهرباء في حي الراهبات بالنبطية، من دون إصابات، في مؤشر على اتساع الاستهداف ليطول فرق الخدمات والطوارئ وتحركات الجيش.

وأدت غارات على جنوب لبنان إلى مقتل نجية حسن رمال (78 عاماً) وحفيدها فضل وهب ترحيني (11 عاماً) في عبا بعد تدمير منزلهما، وإصابة 4 بينهم والدة الطفل، كما قُتل الشقيقان علي ونضال نعيم موسى، وأصيب شقيقهما فادي بغارة على منزلهم في جرجوع.

وفي زبدين، قُتل شخصان بعدما استهدفتهما مسيّرة في أثناء توزيعهما الخبز بسيارة تابعة للبلدية. كذلك قُتل شخص في ياطر وآخر في حاريص، وأصيب شقيقه بغارة على سيارة، بينما سقط قتيل وجريح باستهداف سيارة «فان» على طريق صربين.

وفي المقابل، أعلن «حزب الله» عن تصديه لطائرة مسيّرة إسرائيلية في أجواء منطقة صور بصاروخ أرض جوّ، كما استهدفت قواته تجمّعاً لآليات وجنود الجيش الإسرائيليّ في بلدة رشاف بصلية صاروخية.

كما قال إنه استهدف قوة إسرائيليّة مساندة للقوة المستهدفة في بيدر الفقعاني في بلدة الطّيبة بمحلّقة انقضاضيّة للمرة الثالثة، وتجمّعاً لآليات وجنود الجيش الإسرائيليّ بين منطقة وادي العيون وبلدة صربين بصلية صاروخية.


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني ينتظر الضوء الأخضر لدخول «المناطق التجريبية»

المشرق العربي مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)

الجيش اللبناني ينتظر الضوء الأخضر لدخول «المناطق التجريبية»

ينتظر الجيش اللبناني «الضوء الأخضر» لدخول المناطق التجريبية في جنوب لبنان، تطبيقاً لـ«اتفاق الإطار» مع إسرائيل برعاية أميركية، حيث من المزمع أن يُعقد اجتماع.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون علمي الحزب وإيران في ضاحية بيروت الجنوبية خلال مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي (إ.ب.أ)

لبنان ينجح بفصل مساره التفاوضي مع إسرائيل عن المحادثات الإيرانية

نجح لبنان الرسمي، إلى حدّ كبير، بفصل المسار التفاوضي اللبناني عن المسار الإيراني، عبر اتفاق يبدأ تنفيذه في منطقة تجريبية.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي جندي لبناني يقف على حاجز مستحدث في بلدة فرون المدرجة ضمن المناطق التجريبية في جنوب لبنان (أ.ب)

الجيش اللبناني يستبق الجلسة التقنية مع إسرائيل بإجراءات أمنية في الجنوب

كثف الجيش اللبناني إجراءاته العسكرية والأمنية في المنطقة المقترحة لتكون ضمن المنطقة التجريبية في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آليات للجيش اللبناني تنفذ دورية في بلدة فرون المُدرجة ضمن المناطق التجريبية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

هل يتعايش «حزب الله» مع «اتفاق الإطار» في ضوء تعثر التفاهم الأميركي الإيراني

يستعدّ لبنان لدخول مرحلة سياسية أمنية جديدة باستكمال التحضيرات اللوجستية لنشر الجيش في المنطقتين النموذجيتين تطبيقاً لما نص عليه «اتفاق الإطار»

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون على متن آلية مدرعة في منطقة المطلة على الحدود مع لبنان (أرشيفية - رويترز)

المنطقة التجريبية تختبر التزام «حزب الله» بالتراجع من جنوب الليطاني

استقر مقترح تحديد المنطقة التجريبية في جنوب لبنان على ست قرى، تخضع أطراف إحداها لاحتلال إسرائيلي والأخرى في جنوب الليطاني

نذير رضا (بيروت)

الجيش اللبناني ينتظر الضوء الأخضر لدخول «المناطق التجريبية»

مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)
مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)
TT

الجيش اللبناني ينتظر الضوء الأخضر لدخول «المناطق التجريبية»

مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)
مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)

ينتظر الجيش اللبناني «الضوء الأخضر» لدخول المناطق التجريبية في جنوب لبنان، تطبيقاً لـ«اتفاق الإطار» مع إسرائيل برعاية أميركية، حيث من المزمع أن يُعقد اجتماع ثلاثي عبر تقنية الفيديو اليوم (الجمعة)، بين ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي بمشاركة ممثلين عن الجيش الأميركي، للاتفاق على الآلية التنفيذية وتحديد جغرافية المنطقة التجريبية.

وكثف الجيش اللبناني إجراءاته العسكرية والأمنية في بعض القرى المقترحة لتكون ضمن المنطقة التجريبية، حيث أعلن تدابير شملت بلدات في أقضية بنت جبيل وصور والنبطية، وتقضي بتسيير دوريات وإقامة حواجز ونقاط مراقبة.

ويُنظَر إلى نجاح انتشار الجيش على أنه أول خطوة عملية على طريق عزل المسار التفاوضي اللبناني عن المسار الإيراني. وقالت مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن تثبيت النجاح «ينتظر أن يُحسم بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه».

في المقابل، توعّد «حزب الله» بإسقاط الاتفاق «شعبياً»، إذ قال النائب عن الحزب حسن فضل الله: «إنّه اتفاق غير قابل للحياة ولن يتمكّن الصهاينة من فرض تطبيقه، وسيُسقط شعبنا مفاعيله على الأرض».


سوريا تضبط صواريخ مهرَّبة من العراق

أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)
أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)
TT

سوريا تضبط صواريخ مهرَّبة من العراق

أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)
أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)

أعلنت السلطات السورية، أمس (الخميس)، ضبط شحنة صواريخ وأسلحة مهرَّبة قادمة من العراق، قالت إنها كانت مخبَّأة داخل صهريج نفط ومتجهة، حسب تحقيقاتها الأولية، إلى «حزب الله»، اللبناني، بينما تحيط شبهات بفصائل ومسؤولين في معبر حدودي رسمي.

وقالت دمشق إن الشحنة ضُبطت عند معبر التنف وكانت تضم صواريخ وطائرات مسيَّرة وأسلحة مضادة للدروع.

أما في بغداد، فقد أعلنت قيادة العمليات المشتركة تشكيل لجنة تحقيق بأمر من رئيس الحكومة علي الزيدي للنظر في ملابسات الحادث، والتنسيق مع الجانب السوري، ومحاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره.

وقالت مصادر عراقية إن التحقيق يشمل آلية عبور الصهريج عبر منفذ الوليد وإجراءات التفتيش، وسط تقارير عن شبهات تواطؤ مسؤولين وفصائل مسلحة، فيما لم يصدر تعليق من «حزب الله» على الاتهامات.

وأكدت السلطات السورية أن العملية جاءت بعد رصد المركبة وتفتيشها، فيما قالت بغداد إنها تعمل على تعزيز أمن الحدود المشتركة ومنع تكرار الحوادث.


تفجير «داعش» كنيسة مار إلياس في دمشق... اعترافات عناصر موقوفين

رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)
TT

تفجير «داعش» كنيسة مار إلياس في دمشق... اعترافات عناصر موقوفين

رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)

كشفت وزارة الداخلية السورية، الأربعاء، حيثيات جريمة التفجير الإرهابي الذي نفذه تنظيم ‏«داعش» واستهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق في 22 يونيو (حزيران) 2025، ‏ومخططاً متزامناً لاستهداف مقام السيدة زينب، مؤكدةً أن الهدف كان «ضرب النسيج ‏المجتمعي وتأليب الرأي العام ضد الدولة السورية الجديدة».‏

نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر طحان قال في مقطع مصور نشرته الوزارة، إن ‏تنظيم «داعش» استغل الفترة الأولى من تحرير سوريا وسقوط الأنظمة الأمنية والعسكرية ‏والغياب التام لقوات الأمن، فتحرك من الصحراء السورية نحو المحافظات والعمق ‏السوري، إضافة إلى السيطرة على بعض مخازن الأسلحة والمتفجرات، ما منحه القدرة ‏على تنفيذ عمليات في بداية مرحلة التحرير.‏

وأوضح طحان أن التنظيم قبل التحرير كان يستهدف فصائل الثورة والمعارضة، ولم تُرصد في ‏المناطق المحررة سابقاً عمليات ضد الطوائف الموجودة فيها، ‏مشيراً إلى أن 99 في المائة من عمليات «داعش» كانت تستهدف فصائل الثورة.‏ غير أن استراتيجية «داعش» تغيرت بعد تحرير سوريا، بحسب تقرير «الداخلية السورية»؛ فبعد انخراط الفصائل العسكرية ‏في وزارة الدفاع وإعادة بناء الأنظمة الأمنية والعسكرية، انتقل التنظيم إلى استهداف ‏مكونات أخرى في المجتمع السوري، مثل استهداف التنظيم للشيعة في مقام السيدة زينب، ‏والمسيحيين في بعض المناطق، ومنها كنيسة مار إلياس في دمشق.‏

وزارة الداخلية السورية تداهم وكر منفذي هجوم كنيسة مار إلياس بدمشق في يونيو 2025 (الإخبارية السورية)

وبيّن طحان أن وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات تمكنا خلال الفترة الماضية من تطوير ‏أساليب لمواجهة «داعش» وتجفيف منابع تمويله، مشيراً إلى أن عدد عناصر التنظيم المعتقلين بلغ ‏نحو 1300 عنصر، بينهم قيادات بارزة، وتم خلال الفترة الماضية تدمير 34 خلية ‏للتنظيم.‏

وأضاف أن خلايا «داعش» نفذت عمليات ضد الدولة السورية ومؤسساتها، منها استهداف ‏دورية للجمارك بين إدلب وحلب، حيث تم تفكيك الخلية والقبض على عناصرها، إضافة ‏إلى تفكيك خلايا مسؤولة عن عمليات اغتيال في الساحل السوري.‏

آليات عمل التنظيم

في اعترافاته، قال أحد الإرهابيين الموقوفين إن التنظيم بدأ بعد سقوط النظام الانتقال من الصحراء ‏إلى المدن السورية لإعادة تنظيم صفوفه، وتشكيل خلايا متفرقة بين المحافظات بهدف ‏تسهيل الحركة والاختباء بين أفراد المجتمع.‏

وقال عبد الإله الجميلي من الحجر الأسود في دمشق، إنه انضم إلى التنظيم عام 2017، ‏وشارك في نقل شخصين من النبك إلى دمشق، واكتشف لاحقاً أن أحدهما ‏لديه مهمة في الكنيسة.‏

وقال الإرهابي «أبو وقاص»، إن «أبو مجاهد» شرح له خطة تنفيذ التفجير في الكنيسة؛ إذ تضمنت إطلاق النار على الناس، ثم تفجير نفسه. كما تحدث عن مخطط ‏آخر لاستهداف مقام السيدة زينب.‏

وأوضح أحد الإرهابيين أن التوجيهات في البداية كانت استهداف نقاط حكومية لإظهار ‏ضعف الحكومة أمنياً، وقال إن في كل ولاية للتنظيم مسؤولين عسكريين وأمنيين يختارون ‏الأهداف.‏

عناصر أمن سوريون خلال حملة اعتقالات يوم 23 يونيو بعد تفجير كنيسة مار إلياس في اليوم السابق بدمشق (أ.ف.ب)

الدولة تحمي جميع أبنائها

من جهته، قال أحد الضباط في إدارة مكافحة الإرهاب إن استراتيجية التنظيم كانت تقوم ‏على استهداف دور العبادة ذات الطابع الخاص بهدف خلق ‏شرخ بين هذه المكونات، وإضعاف الدولة الجديدة.‏

وأوضح أن التفجير الأول في الكنيسة كان مسؤولاً عنه شخص غير قادر على الرفض، في حين تم تأجيل العملية الثانية التي كانت تستهدف مقام السيدة زينب بسبب الحالة الأمنية ‏والتدقيق الأمني.‏ وأشار إلى أن مراقبة كنيسة مار إلياس أُوكلت إلى الإرهابي المدعو خالد أبو عائشة، الذي ‏تلقى أمراً بتنفيذ العملية في الكنيسة.‏

الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري لـ«داعش» داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وفي تصريح لوكالة «سانا»، قال مدير إدارة التوجيه المعنوي بوزارة الداخلية عبد الرحمن خضرة، إن آيديولوجية «داعش» تقوم على الجرائم، وإن التنظيم لا يجد مشكلة في استهداف المدنيين أو ‏المتظاهرين أو عناصر وزارتَي الدفاع والداخلية، وإنه أوغل في الدماء منذ ‏نشأته.‏

وأكد خضرة أن الدولة تحمي جميع أبنائها من جميع المكونات، وتحافظ على النسيج ‏الاجتماعي، وتقوم بواجبها في حماية المناسبات الدينية.‏

مطالبات بالعدالة

في شهادات الناجين وذوي الضحايا، قالت ماري برهوم إنها دخلت الكنيسة بعد التفجير، ‏ورأت الدماء على الدرج، وشمت رائحة الدم والبارود والبلاستيك، مؤكدةً أنها صُدمت من ‏المشهد.‏

وقالت أم سهام إنها وجدت ابنتها على الأرض، وإنها فتحت عينَيها عندما نادتها، قبل ‏نقلها إلى المستشفى.‏ وقال ذوو الضحايا إنهم يطالبون بالعدالة، مؤكدين أن السوريين عاشوا معاً، وأن محاولات ‏إثارة الفتنة لن تنجح.‏

وكانت وزارة الداخلية أعلنت في يونيو 2025 إلقاء القبض على متزعم خلية تتبع «داعش» ‏و5 آخرين متورطين في الاعتداء الإرهابي على كنيسة مار إلياس.