غسان شربل
كاتب وصحافي لبناني. رئيس تحرير «الشرق الأوسط» منذ 2016. ترأس تحرير صحيفة «الحياة» ومجلة «الوسط» سابقاً. بدأ عمله في صحيفة «النهار» محرراً ثم معلقاً في قسم الشؤون العربية والدولية، وانتقل إلى وكالة الصحافة الفرنسية، ومنها إلى صحيفة «الشرق الأوسط».
TT

المرشد الروسي وقمة بكين

استمع إلى المقالة

في الليل تتجمَّع أوجاعُ النهار. يجلسُ حاملُ الأختامِ وحيداً. مع التَّعب. والمرآة. والتاريخ. كانَ «يوم النصر» على النازية أقلَّ مما يجب. وكانَ الحضور الأجنبي أقلَّ مما يليق بروسيا العظيمة. لم يشعر ببهجة القوي ورهجة الاحتفال. جاهد لإخفاء خيبته. كم كانَ يشتهي أن يعلن في اليوم نفسه نصراً ساحقاً على أوكرانيا التي خانت الحضن الروسي والزمن السوفياتي. وأن يؤكّدَ أنَّ رئيسَ الدولة المتهورة قادمٌ غداً لتوقيع وثيقة استسلام وإشهار ندمِه على محاولته طعنَ البلاد الأم في ظهرها. لكن ذلك لم يكن ممكناً.

يتسرَّب الغضبُ إلى عروقه. ليس بسيطاً أن تقلّص روسيا عرض «يوم النصر» تخوفاً من مسيّرات هدّد بإرسالها ممثل سابق اسمه زيلينسكي. وأن يحتاج القيصر إلى وساطة سيد البيت الأبيض لتمرير العرض تحت لافتة هدنة قصيرة. نظر خلال العرض إلى جنرالاته. إلى عناقيد الأوسمة المتدلية فوق صدورهم. فاحت رائحةُ خيبتِه. ما جدوى كل هذه النياشين إذا كانت مسيرات ممثل تقض مضجع موسكو. كأن روسيا العظيمة انتهت. يلمع جنرالاتها في المآدب الوثيرة لا في ميادين القتال. شارك «الرفاق» من كوريا الشمالية في العرض. لا ينسى لكيم جونغ أون أنَّه أنقذ الجيشَ الروسي في أقسى المعارك الأوكرانية. توكأ الجيش الروسي أيضاً على آلاف المرتزقة من الكولومبيين والأفارقة والعرب. علامة مؤلمة في تاريخ «الجيش الأحمر».

كانت الشهورُ الماضيةُ شديدةَ القسوة. أرسل دونالد ترمب قاذفاتِه وطائراته الشبحية ودكَّت المنشآت النووية الإيرانية. جالت المقاتلات الإسرائيلية في أجواء طهران وكأنها في نزهة. وكانت بداية السنة الحالية مؤلمة أيضاً. أرسل ترمب وحدات النخبة فخطفت «الرفيق» نيكولاس مادورو واقتادته إلى المحكمة الأميركية كأنَّها تتعامل مع نورييغا أو أسكوبار. لم تنقذه «الشراكة الاستراتيجية» مع روسيا. والأنباء تقول إن بلاد كاسترو تتلوى على أوجاع الفشل الاقتصادي وإنها لن تتأخر في إشهار فشلها والاستسلام للقدر الجغرافي.

المشاهد المؤلمة ليست قليلة. حصدت الطائرات الإسرائيلية القيادة الإيرانية وفي طليعتها المرشد. وانهالت الطائرات الأميركية على ثكنات «الحرس الثوري» وهيبته. حرَّكت إيرانُ مفاعلَ مضيق هرمز لكن أساطيل «الشيطان الأكبر» تحاصر موانئَها وتخنق اقتصادها.

لا تستطيع روسيا المغامرة باعتراض الآلة الأميركية. شراكتها الاستراتيجية مع إيران لن تتعدى تهريب قطع لتجديد ترسانة مسيراتها. ثم إنَّ روسيا تحتاج إلى مغرد البيت الأبيض لترتيب هدنة «يوم النصر» والخروج من المستنقع الأوكراني.

يعرف قصة المستشارين والمساعدين والمداحين. لا مصلحة لهم في إزعاج صاحب القرار أو إثارة غضبه. مصيرهم معلق على حبال مزاجه. يرشون السكر على الموت ويغطون الأشواك بالمخمل. لكن القيصر يعرف. ارتفاع أسعار النفط لا يلغي أن اقتصاد بلاده ليس في أفضل أحواله. وأن الحرب طالت وأوجاعها دخلت بيوتاً كثيرة.

من حسن حظه أن النظام يسمح بمنع أمهات الجنود القتلى من البكاء على الشاشات. ويجرم كل تشكيك بالحرب وأهدافها. صحيح أنه ليس رئيس أميركا ليخشى عناوين الصحف وأفران وسائل التواصل الاجتماعي. الإعلام ممسوك كما الأمن لكن ذلك لا يكفي.

طالت الحرب في أوكرانيا وتكاد تتجاوز سنوات «الجيش الأحمر» في الحرب العالمية الثانية. كل يوم ترجع النعوش من أوكرانيا. ترجع ملفوفة بالعلم الروسي. كأن وظيفة العلم باتت تقتصر على تغليف النعوش.

يعرف القيصر. للمرة الأولى منذ إطلالته في بداية القرن تتراجع شعبيته في الاستطلاعات وإن كانت لا تزال أعلى بكثير من شعبية ترمب. لهذا حاول دس قطرة أمل بالقول إن الحرب تقترب من نهايتها. يخطر بباله أحياناً أن يتذكر أنه دخل الكرملين لاستعادة عظمة روسيا كما دخل ترمب البيت الأبيض لإعادة أميركا عظيمة.

لن يبخل هذا الأسبوع عليه بالمشاهد المؤلمة. ستتركز أضواء العالم على مشهد شي جينبينغ يستقبل ضيفه دونالد ترمب. لن تكون المحادثات سهلة بالتأكيد. الاقتصاد الدولي مصاب بإشعاعات مضيق هرمز وقلق الأسواق غير مسبوق. ولدى الرئيسين هموم كثيرة وخلافات عميقة. على الطاولة الاقتصاد الدولي القلق. وسلاسل الإمداد. والرسوم الجمركية. والمعادن النادرة. والذكاء الاصطناعي. والرقائق الإلكترونية. والسباق التكنولوجي المحموم. هذا من دون أن ننسى تايوان. ومن حسن حظ العالم أن الإمبراطور الصيني لم يتعامل مع تايوان «الخائنة»، كما تعامل القيصر الروسي مع أوكرانيا. والسؤال هو هل يستطيع ترمب إرضاء شي إلى درجة استخدام المفتاح الصيني أيضاً لفك عقدة مضيق هرمز؟

يعرف فلاديمير الكبير أنَّ الرئيس الصيني بات يجلس في المكان الذي كان مخصصاً لليونيد بريجنيف. وأنَّ الصحف ستكتب عن قمة القويين ومصير العالم المعلق بالتفاهم بينهما كما كانت تكتب سابقاً عن القمم السوفياتية - الأميركية. وستكتب أيضاً أنَّ القمةَ لن تسفر إلا عن ضبط التنافس على الموقع الأول ومنع الانزلاقات الخطرة. وأن المباراة على كأس قيادة العالم ستبقى مفتوحة بين واشنطن وبكين. ولن يتردّد بعضهم في الكتابة أنَّ أفضل ما يحققه ترمب هو تأخير ولادة «العصر الصيني».

يفاخر بوتين بـ«صداقة بلا حدود» تربطه بالرجل الجالس على عرش ماوتسي تونغ. لكن عبارة «العصر الصيني» تستوقفه طويلاً حين يفكر بالقدر الجغرافي. طوفان تكنولوجي وطوفان بشري. يرجئ التفكير في هذا الملف.

هل أصيب المرشدُ الروسي في الحرب الأوكرانية؟ يؤرقه السؤال. ينظر في المرآة. يحاول إلقاءَ المسؤولية على السبعينات التي تطلق على المصاب بها رائحة الخريف. لكن شي ولد بعده بسنة واحدة. وترمب سبقه بست سنوات. يخالجه شعور أنَّ روسيا العظيمة أصيبت هي الأخرى. الدهر يومان. عليها أن تكتفي بعد الآن باللعب مع أندية الدرجة الثانية.