صدرت الطبعة الثانية من «ناس من راس بيروت» (دار نلسون) للزميل سمير صنبر. وهي تُقرأ في ملاحتها وملوحتها وطياتها الساخرة، مرة ثانية أيضاً. وثالثة على الحساب. وللتوضيح، فإن «راس بيروت» هي المنطقة المحيطة بالجامعة الأميركية والمحاذية للبحر، وأكثر البقع اختلاطاً بشرياً في تنوعات لبنان. ولولا بيروت وتنوعاتها لكان لبنان جبلاً جميلاً وساحلاً بعيداً، لا تأتيه كل هذه الأمم والوجوه.
نشأت «راس بيروت» بعد الهجرة الفلسطينية. أراد المهاجرون الجدد منطقة مختلطة مثل حيفا ويافا والقدس. وكذلك منطقة ناطقة بالإنجليزية، مثل «الجامعة»، بعكس بيروت الأم وهواها الفرنسي. وتوزعت حول الجامعة جالية من الأساتذة والطلاب والألمعيين ومقاهي المفكرين. واجتذبت الحركات القومية وتجمعات الثقافة وبعض الأسماء العربية القادمة من الخليج.
لكن «راس بيروت» لم تكن «جالية» فقط. كان هناك أهلها وتمدنهم وانفتاحهم وفسحة البحر الشاسعة. وفي انفتاح وفرح يُعيد سمير صنبر رسم تلك الوجوه وطباعها، ورحابة العيش فيما بينها. وهي تُقدم له النماذج البشرية بلا حساب، بينما يُحوّلها هو في مهارة، إلى روايات قصيرة، دون أن يخفي لحظة عشقه للمدينة التي تُلقن الدروس العفوية في إلغاء تعابير الغربة والغرباء.
جاء سمير صنبر من حيفا المتعددة، وعمل في بيروت المتنوعة صحافياً بارزاً، ثم انضم إلى الأمم المتحدة في نيويورك حتى تقاعده أميناً عامّاً مساعداً، في عاصمة التعدد في العالم.
لكن حنينه الأول ظلَّ إلى راس بيروت. إلى حياة الشطار وأشيائهم الصغيرة وقضاياهم الكبرى. وغالباً ما ترى أحدهم خارجاً من منزله، بكامل أناقته وأهبته، على موعد مع الرفاق، لإنقاذ الأمة قبل فوات الأوان. وقد يكون هذا شاعراً من سوريا أو كردياً من العراق أو «ناساً» من راس بيروت.
