بكر عويضه
صحافي فلسطيني بدأ احتراف الصحافة في ليبيا عام 1968 حيث عمل في صحيفة «الحقيقة» في بنغازي، ثم «البلاغ» و«الجهاد» في طرابلس. واكب صدور الصحافة العربية في بريطانيا منذ 1978 فعمل في صحيفة «العرب»، ثم مجلة «التضامن»، وبعدها جريدة العرب الدولية «الشرق الأوسط»، كما عمل مستشاراً لصحيفة «إيلاف» الإلكترونية.
TT

آخِر «الأحزان»... أمْ «طوفان» آخَر؟

استمع إلى المقالة

اعتاد معظم الناس -كما تعلمون، ولعل أكثرية منكم، أو أقلية، بين تلك الغالبية- تضمين عبارات مواساة الآخرين في حالات الوفاة عبارة ترجو للمحزونين على رحيل عزيزهم المُتَوَفى أن حزنهم سيكون «آخِر الأحزان». واضح أن مثل ذلك الرجاء يعبّر عن طيّب النيّات إزاء الذين يرجونه لغيرهم، لكنه يعكس، بوضوح كذلك، نوعاً من الجهل، أو قُل اللغو غير المُدْرَك مِن قِبَل المُتَمني. تعليل هذا الأمر سهل غير ممتنع، بل هو منبسط لكل ذي قلب يعقل، فيسمع السببَ، ويُبصُره، كما يبصر العشب الأخضر الذي يُمتِّع الناظرين إليه مستلقياً على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وخلاصته جداً بسيطة أيضاً، فمسلسل الأحزان لا نهاية له، إذ يبدأ في حياة كل البشر منذ النُّطفة الأولى، ثم ينطلق يهدر مثل قطار أسرع من البرق أحياناً، وأبطأ من سلحفاة في أحيان أُخْرى، ولذا لن يتوقف أبداً، إلى أن تتوقف حياة الإنسان على سطح الأرض.

حسناً، هذا صباح الذكرى الثالثة لما حدث ليل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 يطل اليوم، فهل تكون التوابع المأساوية لهجوم «طوفان الأقصى»، وفظائع الرد الإسرائيلي الظالم عليه، التي حاق وبالها بقطاع غزة، من البر، والجو، والبحر -وفاق جبروتها تصوّر كل عقلاء العالم في مشارق الأرض ومغاربها- هي «آخر أحزان» أهل غزة؟ أم أن وراء أكوام الخراب والدمار والجثث المدفونة تحت الأنقاض تشتعل جذوة «طوفان» آخر مختبئ في نفق ما؟ لعل من المشروع طرح هذا التساؤل الجامع عنصري التفاؤل والتشاؤم ضمن سياق الحديث عن المُتَوَقَّع، أو المأمول بعد ثلاث سنوات على «طوفان الأقصى»، لأن الأمر يخص جموع الناس، وغير متعلق بأشخاص. أما إجابة التساؤل، فالأرجح أنها تختلف من شخص لآخر، ومن المنطقي أن تستند المواقف إلى أساس المنهاج العقائدي للفرد، فأصحاب النهج الديني، مثلاً، سوف يتشبثون بالموقف القائم على مبدأ أنه لا حل نهائياً للصراع إلا بزوال أحد الطرفين. ذوو هذا المنهج موجودون في المعسكرين؛ معسكر حركة «حماس» وحلفائها، ومعسكر نتنياهو - بن غفير وحلفائهما.

في المقابل، هناك أصحاب المنهاج العملي، أو الموصوف في قواميس العمل السياسي بصفة «براغماتي». هؤلاء يُهاجَمون، عادةً، من جانب خصومهم، فيوصفون بأنهم «انتهازيون». ذلك نوع من الظلم، أو الجهل، وربما الحالتان معاً، لأن الفارق شاسع بين سلوك أي فرد انتهازي يضع مصالحه الذاتية قبل مصالح الناس كافة، ولا يتردد في أن يزيح كل من يواجهه، وبأي وسيلة تُتاح له، وبين موقف يرى أن إصلاح أوضاع عموم المجتمع يتطلب العمل وفق برنامج عملي يقوم على أساس مرحلي، ويضع الخطط وفق نهج يقول إن لكل مرحلة ظروفها، فلا يكبل خطواته، ولا يضع سلاسل الشروط التي تعيق حركته، وتقعده عن أي تحرك نحو المستقبل. أصحاب هذا المنهاج العملي سوف يتمسكون برجاء أن تكون حركة «حماس»، وغيرها من الفصائل السائرة على نهجها، قد استوعبت حقاً دروس توابع هجوم «طوفان الأقصى»، التي دفع أثمانها الباهظة بسطاء الناس، فتكون فعلاً «آخِر الأحزان» الناتجة عن سياسات قياداتهم.