لم يعد الخليج العربي ذلك الإقليم الذي كان يُنظر إليه، حتى وقت قريب، بوصفه بعيداً عن عواصف الشرق الأوسط؛ فقد أصبحت الصواريخ والطائرات المسيَّرة جزءاً من المشهد الأمني، وأصبح استقرار المنطقة يتأثر مباشرة بما يجري في محيطها، ولم تعد المواجهة تقتصر على الميدان العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد والدبلوماسية، وإلى جبهة لا تقل أهمية، هي جبهة الإعلام؛ فالحروب الحديثة لا تُحسم بالسلاح وحده، بل أيضاً بالرواية التي تصل إلى عقول الناس، قبل أن تصل إليها أخبار المعارك.
لقد تغيرت طبيعة الصراع في القرن الحادي والعشرين؛ فكل صاروخ يرافقه مقطع مصور، وكل عملية عسكرية تتبعها حملة إعلامية، وكل تطور ميداني يخضع لمعركة تفسير وتأويل. ولم يعد الهدف تحقيق النصر العسكري فقط، بل التأثير في الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي؛ ولهذا أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي جزءاً من منظومة الأمن القومي، وليست مجرد أدوات لنقل الأخبار.
ومن يتابع الحروب الأخيرة، سواء في أوكرانيا أو غزة أو المواجهات بين إسرائيل وأميركا وإيران، يلاحظ أن إدارة الرواية لا تقل أهمية عن إدارة العمليات العسكرية؛ فالدول المتحاربة تحشد خبراءها ومتحدثيها، وتنسق رسائلها، وتستثمر في الصورة والمعلومة واللغة؛ لأنها تدرك أن كسب الرأي العام قد يحقق مكاسب سياسية لا تحققها القوة العسكرية وحدها.
وفي المقابل، يبدو أن جزءاً من إعلامنا الخليجي لا يزال يتعامل مع هذه المرحلة بعقلية زمن السلم؛ فباسم المهنية والحياد تُفتح الشاشات أحياناً لمن يبرر السياسات الإيرانية، أو يعيد تسويق روايتها، بينما لا يجد الصوت الخليجي فرصة مماثلة في الإعلام الإيراني لعرض وجهة نظره أو الدفاع عن مصالحه، وليس المقصود هنا المطالبة بإغلاق أبواب الحوار؛ فذلك لا ينسجم مع تقاليد الإعلام المهني، ولكن المقصود أن هناك فرقاً بين الحوار الواعي وبين تحويل المنصة الإعلامية إلى وسيلة مجانية لترويج خطاب دولة تعد نفسها في صراع مع محيطها.
ولعلَّ السؤال الذي يستحق الطرح هو: لماذا لا يسمح الإعلام الإيراني، في القضايا الاستراتيجية، بطرح الرواية الخليجية كما نفعل نحن مع روايته؟ الجواب ليس لأنه أكثر ذكاءً؛ بل لأنَّه يعد الإعلام جزءاً من منظومة الأمن الوطني، ويحدد أولوياته وفق هذا الفهم. أما بعضنا فما زلنا نتردد بين مفهوم المهنية ومفهوم الحياد، وكأن الحياد يعني المساواة بين الدولة التي تدافع عن أمنها، والطرف الذي ينازعها هذا الأمن.
وتزداد المشكلة عندما يتصدر النقاش أشخاص لا يملكون معرفة كافية بطبيعة النظام الإيراني أو بتاريخه السياسي أو بمؤسساته أو بعقيدته الأمنية، فيتحول الحوار إلى تبادل انطباعات أو شجار، بينما تحتاج هذه الملفات إلى متخصصين يعرفون الفوارق بين مؤسسات الدولة الإيرانية، وآليات صنع القرار فيها، وعلاقاتها بأذرعها الإقليمية، وأهدافها المعلنة وغير المعلنة؛ فالإعلام لا يضعف عندما يغيب الرأي المستنير والمقنع.
وليس خافياً أن المشروع الإيراني في المنطقة لم يعد مجرد تحليل سياسي، بل أصبح واقعاً شهدته دول عربية عدة، ففي العراق ولبنان وسوريا واليمن تشكلت، بدرجات مختلفة، جماعات مرتبطة بطهران، كان لها تأثير واضح في القرار السياسي أو الأمني، كما أعلنت دول خليجية في أكثر من مناسبة عن ضبط خلايا أو شبكات مرتبطة بجهات خارجية، وهو ما يؤكد أن التحدي لم يعد افتراضاً نظرياً، بل أصبح واقعاً تتعامل معه الأجهزة الأمنية بصورة مستمرة.
ومع ذلك، فلا يبدو أن كثيراً من مؤسساتنا الإعلامية تمتلك، بالقدر الكافي، غرف تفكير دائمة تدرس المخاطر، وتبني الرسائل، وتُعِد المتحدثين، وتراجع الأداء، وتقيس أثر الخطاب الإعلامي، ففي الدول التي تخوض صراعات بقاء ومصير، لا تُترك الرسالة الإعلامية للاجتهاد الفردي أو لظروف البرنامج اليومي، بل تقوم على التخطيط والتراكم المعرفي والاستفادة من خبرات الباحثين والمتخصصين، والإعلام الناجح لا يبدأ أمام الكاميرا، بل يبدأ داخل مراكز الدراسات وقاعات التحرير وغرف التخطيط.
ويضاف إلى ذلك أن جزءاً من الرأي العام العربي لا يزال يقع في خلط بين الخطر القائم والخطر المحتمل، أو ينظر إلى التطورات الإقليمية من خلال مواقف آيديولوجية مسبقة؛ فمن المشروع انتقاد السياسات الغربية، كما من المشروع مناقشة أخطائها، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتقليل من شأن الأخطار الأخرى التي تمس أمن المنطقة مباشرة، فالمواقف السياسية لا ينبغي أن تحجب القراءة الموضوعية للوقائع، ولا أن تجعل الخصومات القديمة معياراً للحكم على التهديدات الجديدة.
إن حماية الأمن الوطني لم تعد مسؤولية العسكري والدبلوماسي وحدهما، بل أصبحت مسؤولية الإعلام أيضاً؛ فالإعلام الواعي لا يصنع الخوف، ولا يروج للدعاية، ولا يلغي التعددية، وإنما يقدم المعرفة الدقيقة، ويكشف التضليل، ويختار ضيوفه وفق الكفاءة لا الإثارة، ويضع مصلحة المجتمع فوق السباق على نسب المشاهدة.
لقد دخل الخليج مرحلة جديدة تفرض إعادة التفكير في دور الإعلام؛ لأن الأمن لم يعد يُحمى بالسلاح وحده، كما أن الاقتصاد لا يزدهر وسط الفوضى، والدبلوماسية لا تنجح إذا خسرت معركة الرأي العام. ومن هنا فإن بناء إعلام وطني مهني، يمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على المنافسة، لم يعد ترفاً، بل أصبح أحد شروط حماية الدولة واستقرارها في زمن الصراعات الإقليمية الشرسة.
آخر الكلام: أخطر ما نواجه ليس قوة خصومنا، بل ضعف استعدادنا لمعركة الوعي.
