يبدو أن أكثر دولة اشتهرت بالحياد (سويسرا) قد بدأت فعلياً بالتخلي عن هذا التوجه بعد اجتياح روسيا لأوكرانيا. مبدأ النأي بالنفس عن التدخل في شؤون الآخرين تحاول سويسرا تطبيقه منذ الحرب العالمية، وقد أسهم فعليا في إيجاد بلد آمن بعيد عن النزاعات المسلحة والاستقطابات السياسية. ومهد حياد سويسرا neutrality لأن تكون فعلياً ملاذاً مالياً لمن أراد أن يودع ثرواته في أشهر بنوكها الآمنة. لكنها تراجعت عن ذلك عندما أعلنت تبني العقوبات الأوروبية على روسيا ومنها تجميد أموال شركات وأثرياء امتداداً للعقوبات الدولية المفروضة.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه، هل الحياد عموماً كمفهوم «قرار» وجيه في حياتنا الشخصية، والاجتماعية، والوظيفية وغيرها؟ وإذا كان كذلك، هل هو ضعف أم هروب أم محاولة «لدفن الرأس في الرمال» كما تفعل النعامة. ويبدو النعامة مظلومة بهذا المثل الشائع عنها؛ إذ لا يبدو أنه صحيح، فهي لا تفعل ذلك. ومن المحايدين من لا يدفن رأسه بالتراب بل يعتبر الحياد خياراً يتعمد انتقاءه إما تجنباً لنقاش عقيم، أو نأياً بنفسه عن المواجهات العديمة الجدوى.
وهناك من يتعمد اللجوء للحياد «مؤقتاً» حتى تنقشع الأجواء الملبدة بصراعات العمل. في مجالس الإدارة يضطر بعض الأعضاء معنا إلى خيار الحياد عندما يطرح أكبر مالك توجهاً معيناً لا يميلون إليه من منطلق «حسن اختيار المعارك» ثم يواجهونه في قضية أخرى أكبر أو أهم لمستقبل الشركة. وفي البرلمانات واللجان العليا يضطر البعض إلى خيار الامتناع عن التصويت كأسلوب حيادي للخروج من حالة الاحتقان أو الاستقطابات بأقل ضرر ممكن. غير أن هناك من يرى أن الحياة عبارة عن مواقف، وأن الحياد ضبابية ممجوجة. إلا أن الناظر إلى شؤون الحياة يرى أن الحياد خيار مشروع للجميع. وأحياناً يتشبث البعض بخيار الحياد من باب الحكمة. وحتى في أدبيات السياسة هناك سياسة خارجية تلتزم مبدأ الحياد مثل سويسرا، وبعض الدول الاسكندنافية، وتلك الدول التي تحرم دساتيرها الدخول في حروب هجومية، إذ إن المعارك الدفاعية عن تراب الوطن هي فقط المشروعة.
ولو تأملنا بعض المواضيع نجد أن الحياة عبارة عن موقف. فقد يعتبر البعض «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، وهو ما يجرنا لفكرة الموقف المبدئي، فهناك من ينتقد بلداناً بقسوة ويهدد بقطع التمثيل السياسي (كموقف مبدئي) لكنه لا يقطع التعاون التجاري «حماية للمصالح الاقتصادية العليا».
إن الحياد ليس نقيصة خصوصاً إذا كان يُستَخدَم لغرض وجيه. وهو بالفعل كذلك كخيار شخصي، ومهني، وسياسي. حتى الأمم المتحدة نفسها تحتفل في الثاني من فبراير (شباط) سنوياً بـ«اليوم الدولي الحياد»، وهو اعتراف صريح من العالم بأحقية الإنسان أن يقرر مصيره ويتحمل تداعيات اختياراته.
8:50 دقيقه
TT
التخلي عن مبدأ «الحياد»
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
