الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين إيران من ناحية، والولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، ليست حرباً واحدة كما تبدو في عناوين الأخبار؛ بل هي ثلاث حروب متداخلة قد تعيد تشكيل الإقليم ببطء، ولكن بعمق.
من يقرأ المشهد باعتباره مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران وأذرعها، متمثلة في «حزب الله» في لبنان و«الحوثيين» في اليمن، أو حتى بين واشنطن وطهران، يقع في فخ التبسيط. ما يجري في الحقيقة هو صراع متعدد الطبقات، لكل طبقة منطقها الخاص، وأدواتها، وأهدافها.
الحرب الأولى هي الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، أو ما يمكن تسميته حرب تغيير الشرق الأوسط وفق رؤية إسرائيلية أوسع يدعو إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. هي حرب غير تقليدية بين دولتين تعملان عبر الشبكات والوكلاء، إذ تضرب إسرائيل في سوريا ولبنان، وتستهدف البنية العسكرية لـ«حزب الله»، في محاولة لاحتواء النفوذ الإيراني وإعادة رسم ميزان القوة الإقليمي.
أما الحرب الثانية فهي حرب استنزاف تقودها إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، تعتمد فيها على أدوات غير مباشرة، من بينها التهديد بإغلاق مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من ضغط على الاقتصاد العالمي مضافاً إليه إطلاق الصواريخ على إسرائيل بشكل يومي. هذه الحرب لا تستهدف الحسم بقدر ما تسعى إلى منع الخصم من تحقيق تفوق استراتيجي، عبر إطالة أمد الصراع وإدارة التهديد لا إنهائه.
الحرب الثالثة هي المواجهة الأميركية - الإيرانية؛ إذ تسعى واشنطن إلى تقليص قدرات إيران النووية وربما تغيير النظام أو تغيير سلوكه، بينما تراهن طهران على الصمود وتفادي الضربة القاصمة. حتى الآن، لم تحقق هذه المواجهة أهدافها الحاسمة، ما يعكس حدود القوة العسكرية حين تنفصل عن سياق سياسي واضح.
كما يذكر كارل فون كلاوزفيتز، الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، لكنها أيضاً مجال يعاني فيه القادة من «ضباب الحرب»، حيث تغيب الصورة الكاملة وتتخذ القرارات في ظل عدم يقين. وإذا كان هذا الضباب يحيط بصناع القرار، فهو أشد كثافة لدى من يحاولون قراءة المشهد من الخارج.
عامل الزمن يلعب دوراً حاسماً في هذه الحروب الثلاث. إيران تميل إلى إطالة أمد الصراع لاستنزاف خصومها، وإسرائيل تبحث عن تغيير استراتيجي من دون أن تجد نهاية واضحة للحرب، بينما تميل الولايات المتحدة إلى تقليص المدة لتجنب التكلفة السياسية. هذا التباين في حسابات الوقت يعمّق التعقيد ويجعل الحسم أكثر صعوبة.
في العمق، نحن أمام صراع على شكل النظام الإقليمي ذاته. النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى يتآكل، من دون أن تتبلور بعد ملامح بديلة. الصراع لم يعد عسكرياً فقط؛ بل أصبح سياسياً واقتصادياً وشبكياً، تُعاد فيه صياغة مفاهيم النفوذ والدولة.
القوى المختلفة تسعى إلى تحقيق حد أدنى من أهدافها: إيران تريد تخفيف العقوبات والاعتراف بدورها الإقليمي، وإسرائيل تسعى إلى ترجمة تفوقها العسكري إلى واقع مستقر، والولايات المتحدة تحاول إدارة التوازن من دون الانزلاق إلى فوضى شاملة. أما الدول العربية، فتقف بين كونها أهدافاً ضمن الصراع أو فاعلين محتملين فيه، في ظل غياب مشروع إقليمي جامع.
وفي الخلفية، تتقدم قوى دولية مثل الصين بهدوء، مستفيدة من انشغال الآخرين بالصراع، لتعزيز نفوذ طويل الأمد من دون الانخراط المباشر في الحروب.
ما يميز هذه اللحظة أن النصر لم يعد يعني هزيمة عسكرية صريحة؛ بل القدرة على الصمود، وإعادة التموضع، وفرض قواعد جديدة للعبة. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس من سينتصر في معركة بعينها؛ بل من سينجح في تشكيل النظام الإقليمي القادم.
لكن، وبينما تنشغل القوى الكبرى والإقليمية بحسابات النفوذ والاستراتيجية، يدفع المدنيون الثمن الأكبر. دول الخليج التي لم تختَر أن تكون طرفاً ضمن هذه المواجهات، أصبحت في قلب دائرة الخطر تتعرض لصواريخ وطائرات مسيّرة تجعل أمنها اليومي رهينة لصراعات الآخرين. هناك، لا تُقاس الحرب بموازين الردع؛ بل بعدد العائلات التي تعيش القلق، وبالخسائر التي تصيب الأبرياء، وبالإحساس العميق بأنهم أصبحوا ضحايا لحروب لا تخصهم مباشرة.
إن المأساة الحقيقية في هذه الحروب المتعددة ليست فقط في تعقيدها الاستراتيجي؛ بل في بساطة أثرها الإنساني: خوف، وخسارة، وعدم يقين. وفي النهاية، قد يُعاد رسم خرائط النفوذ، لكن الجرح الذي تتركه الصواريخ في حياة الناس يظل أعمق من أي حسابات سياسية.
ثلاث حروب تدور في آن واحد، تتقاطع وتتصادم، وتنتج واقعاً جديداً لم تتضح ملامحه بعد. ومن يصر على رؤيتها حرباً واحدة لن يستطيع التعرف إلى تبعاتها على الإقليم، التي ستكون طويلة الأمد بكل أسف.
