حين كتب أرسطو قبل أكثر من ألفي عام عن وسائل الإقناع الثلاث: المصداقية، والعاطفة، والمنطق، كان يفترض ضمناً أن الثقة في المتحدث هي المدخل الأول إلى التأثير. فالناس يميلون إلى الإصغاء لمن يعتقدون أنه صادق، وذو معرفة، وأهل للثقة. وقد ظلت هذه الفكرة قروناً طويلة إحدى المُسلَّمات الكبرى في فهم الاتصال، والإقناع. لكن المشهد الإعلامي المعاصر يطرح سؤالاً مقلقاً: ماذا لو استمر التأثير رغم تراجع المصداقية؟ ماذا لو تحوّل الإعلامي إلى نجم واسع النفوذ في الوقت الذي يشكك قطاع كبير من الجمهور في صدقه أو أهليته؟
هذه المفارقة لم تعد استثناء عابراً، بل أصبحت سمة متكررة في كثير من الأنظمة الإعلامية حول العالم. فثمة شخصيات إعلامية تحاصرها الانتقادات، وتلاحقها اتهامات التحيز، والمبالغة، والتلاعب، ومع ذلك لا يتراجع حضورها، بل يزداد. وتظل قادرة على تحديد موضوعات النقاش العام، وصناعة الأولويات، والتأثير في المزاج الجمعي. هنا يبدو أن العلاقة التقليدية بين المصداقية والتأثير لم تعد تعمل بالكيفية التي تصورها المنظرون الأوائل.
يفسّر جانب من الأدبيات الحديثة هذه الظاهرة من خلال التحوّل من اقتصاد المعلومات إلى اقتصاد الانتباه. ففي عالم كانت المعلومات فيه نادرة، كانت القيمة الكبرى لمن يمتلك المعرفة. أما اليوم، فإن المعلومات متاحة بوفرة غير مسبوقة، بينما أصبح المورد النادر هو انتباه الإنسان.
في هذا السياق لم يعد الإعلامي مجرد ناقل للمعلومات، بل أصبح منتجاً للانتباه. وكلما نجح في إثارة الجدل، أو الاستفزاز، أو المفاجأة، ازدادت فرص انتشاره. وهنا تظهر مفارقة لافتة. فالغضب والرفض والسخرية ليست بالضرورة مؤشرات على الفشل. بل قد تتحول إلى وقود إضافي للانتشار. إن الشخص الذي يهاجمه الملايين قد يظل أكثر حضوراً وتأثيراً من الشخص الذي يحظى باحترامهم، ولكنه لا يثير اهتمامهم.
إضافة إلى ذلك، فإن أبحاثاً عديدة في علم النفس الاجتماعي تشير إلى ما يعرف بتأثير التعرّض المتكرّر. فالناس يميلون إلى تطوير شعور بالألفة تجاه الأشخاص والأفكار التي يواجهونها باستمرار. ولا يشترط أن يقود ذلك إلى الثقة الكاملة، لكنه يضمن الحضور الدائم في الوعي العام. ومع الزمن يتحول الظهور المتكرر إلى شكل من أشكال النفوذ الرمزي.
ومن هنا يمكن فهم التحول الذي أصاب شخصية المذيع في العصر الحديث. لقد كان المذيع التقليدي يستمدّ مكانته من المؤسسة التي يعمل فيها، ومن معاييرها المهنية. أما اليوم، فإن كثيراً من المذيعين تحولوا إلى علامات تجارية قائمة بذاتها. إن الجمهور لا يتابعهم فقط لمعرفة الأخبار، بل لمشاهدة شخصياتهم، ومواقفهم، وأسلوبهم في إدارة الصراع. وهكذا تصبح الشخصية الإعلامية نفسها منتَجاً مستقلاً قابلا للتسويق، والاستهلاك.
وفي نظرية «ترتيب الأولويات»، فإن التأثير الإعلامي لا يقاس فقط بقدرة الوسيلة على تغيير الآراء، بل بقدرتها على تحديد الموضوعات التي سينشغل بها الناس. ومن هذه الزاوية قد يكون الإعلامي مؤثراً للغاية حتى لو كان أغلب الجمهور لا يثق به. فالمهم ليس أن يقتنع الجميع بما يقوله، بل أن ينجح في جعل الجميع يتحدثون عما يطرحه.
وقد زادت المنصات الرقمية من قوة هذه الظاهرة. فخوارزميات التوزيع لا تكافئ الحقيقة بالضرورة، بل تكافئ التفاعل. والمحتوى الذي يثير الغضب أو الدهشة أو الاستقطاب يحصل غالباً على انتشار أكبر من المحتوى المتزن، والهادئ. ولذلك نشأت بيئة إعلامية تستطيع فيها الشخصيات المثيرة للجدل أن تزدهر حتى في ظل أزمة ثقة مستمرة.
هذا كله لا يعني أن المصداقية فقدت أهميتها، أو أن الثقة لم تعد ذات قيمة؛ لكنها لم تعد الشرط الوحيد للتأثير كما كانت في النماذج الكلاسيكية. لقد دخل عنصر جديد إلى المعادلة يتمثل في القدرة على احتكار الانتباه. وإذا كان أرسطو قد جعل المصداقية أحد أضلاع مثلث الإقناع، فإن العصر الرقمي يفرض إضافة ضلع رابع لا يقل أهمية... هو الحضور. فالتأثير المعاصر لا يصنعه فقط من يملك الحجة، أو الثقة، بل أيضاً من ينجح في البقاء داخل مجال الرؤية العامة.
وهكذا يبدو أن المذيع المعاصر لم يعد مجرد وسيط بين الحدث والجمهور. لقد تحول في كثير من الأحيان إلى «براند» يتجاوز حدود المهنة ذاتها. وقد يكون هذا التحول أحد أهم مفاتيح فهم عصر تتراجع فيه الثقة أحياناً، بينما يستمر النفوذ في الاتساع.
فبينما كان الإعلام في الماضي يبحث عن المصداقية كي يحقق التأثير، أصبح بعضه اليوم لا يكترث بذلك، والسبب يرجع إلى الانفصال العميق بين نظام إنتاج التأثير، ونظام إنتاج المصداقية، وهو انفصال يُعيد رسم خريطة السلطة الرمزية برُمّتها.
