د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

أول تريليونير

استمع إلى المقالة

الطرح الأولي لـ«سبايس إكس» هو الأكبر في التاريخ، هذا هو العنوان المتداول بعد طرح عملاق الفضاء والذكاء الاصطناعي للاكتتاب قبل أيام قليلة، وباعت الشركة أكثر من 555 مليون سهم بسعر 135 دولاراً للسهم، جامعةً أكثر من 75 مليار دولار. ونتج عن هذا الاكتتاب أرقام قياسية عديدة. فكيف أصبح هذا الاكتتاب الأكبر في التاريخ؟ وما مبرر تقييم السهم؟ وكيف أثر ذلك على ثروة إيلون ماسك والمحيطين به؟ وإلى أين يقود هذا الاكتتاب أسواق المال في المستقبل؟

جمع اكتتاب لـ«سبايس إكس» عناصر قلّما تجتمع في طرحٍ واحد، فالشركة ذات حضور فعلي ظاهر للجمهور في صناعة استراتيجية، ومالكها يملك حضوراً في مواقع التواصل مما زاد من جماهريتها، والسوق متعطشة إلى الأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والفضاء والبنى التحتية المستقبلية. والشركة تملك عمليات قائمة من العقود مع الوكالات الحكومية، وشبكة «ستارلينك» للإنترنت الفضائي، كما تسوّق لمشاريع تبدو أقرب للخيال العلمي، مثل مراكز بيانات فضائية للذكاء الاصطناعي، ومستعمرات بشرية على المريخ، وتعدين الكواكب، ولذلك فإن الاكتتاب كان أقرب إلى المراهنة على رؤية ماسك للمستقبل منه إلى عمليات التمويل التقليدية.

وعلى الرغم من ذلك، بررت العديد من الجهات سعر الـ135 دولاراً، فتوقع «مورغان ستانلي» أن يرتفع إجمالي الإيرادات بمقدار 180 ضعفاً من 18.7 مليار دولار في العام الماضي، ليصل إلى 3.4 تريليون دولار. كما توقع محللو «غولدمان ساكس» أن ترتفع إيرادات الشركة من الذكاء الاصطناعي 100 مرة بحلول عام 2030 لتصل إلى 322 مليار دولار، وسعر 135 دولاراً مرتفع جداً بالمقاييس المعتادة، وهو يمثل 90 ضعفاً لإيرادات الشركة، خصوصاً أن مؤشر «ناسداك» يتداول حالياً بنسبة سعر تعد تاريخية، ومع ذلك لم تزد على 36 ضعفاً.

ومع ذلك كله، ارتفع السهم في أول تداول له من 135 دولاراً ليقفل على 161 دولاراً، أي بزيادة تقارب 20 في المائة، وهي دلالة على إيمان السوق بالشركة وبماسك. هذا الإيمان لم يكن من المستثمرين المؤسسيين وصناديق التحوط فحسب، بل شمل حتى المستثمرين الأفراد الذين خصص لهم ماسك قرابة 25 في المائة من الأسهم المباعة، وهي نسبة مرتفعة لا تزيد عادة على 10 في المائة، وفي ذلك دليل على نجاح ماسك في تسويق مشروعه المستقبلي من خلال حضوره الفعّال في وسائل التواصل.

وقد زاد تقييم الشركة على تريليوني دولار بعد اليوم الأول من الاكتتاب، وبذلك زادت ثروة ماسك على تريليون دولار، وأصبح أول تريليونير، بعد أن لم تزد ثروته على 185 ملياراً في عام 2021 حين تجاوز بيل غيتس، أي أن ثروته تضاعفت أكثر من 5 مرات في آخر خمس سنوات، وأصبحت اليوم تعادل نحو 3 في المائة من الناتج القومي الأميركي.

يذكر أن الملياردير الأميركي جون روكفلر الذي فُككت شركة النفط الخاصة به «ستاندر أويل» بموجب قانون منع الاحتكار عام 1911، كانت ثروته الصافية في ذروتها لا تزيد على 1.4 مليار دولار، أي نحو 1.5 في المائة من الناتج القومي الأميركي.

ولم يقتصر الثراء على ماسك وحده، فقد أدى ارتفاع تقييم لـ«سبايس إكس» من نحو 400 مليار دولار قبل أقل من عام إلى أكثر من تريليوني دولار إلى تحويل آلاف الموظفين الحاليين والسابقين إلى مليونيرات، فخيارات الأسهم التي كانت لسنوات جزء من التعويض المؤجل، أصبحت فجأة ثروة قابلة للقياس في السوق.

وفي المستقبل، قد يكون هذا الاكتتاب نقطة تحول في أسواق المال، فهو سيفتح الباب على مصراعيه أمام طروحات ضخمة لشركات الذكاء الاصطناعي مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، وقد يدفع المستثمرين لقبول تقييمات تريليونية أخرى لشركات لا تزال في طور بناء نماذج أرباحها، لا سيما أن لـ«سبايس إكس»، وبكاريزما ماسك، أثبتت أن السوق قد يتفاعل إيجابياً حتى لو كانت الأرقام موضع جدل، خصوصاً أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي اقتصر في السنوات الماضية على مجموعة من كبار المستثمرين والممولين، ولم يتح لعامة الجمهور، وهو ما استثمره ماسك في طرحه الأولي، والمستقبل يحمل، في الوقت نفسه، مخاطر واضحة، فالتقييمات المفرطة قد تتحول إلى عبء إن لم تتحقق الوعود، والسوق مليئة بشركات أطلقت الوعود، واستقر سهمها على أقل من نصف سعر طرحها الأولي بعد أن اتضح للسوق زيف الوعود والمبالغة في التقييم.