في مشهد شهير من مسرحية «المتزوجون» يسأل البطلُ صبيَّ المقهى عمّا يعرفه عن «سياسة الوفاق الودي»، فيجيبه: «يعني يا بخت من وفَّقَ راسين في الحلال». وتتفاعل القاعة بالضحك.
نكتة المسرحية تحولت إلى حقيقة. ففي عالم «السوشيال ميديا»، وجدت آراء المقهى متنفساً. ولم تكن المهمة عسيرة؛ في العقود السابقة زاد عدد المتخرجين من التعليم القادرين على الكتابة، وكان بإمكان هؤلاء تحويل المعارف الأمية الشفهية إلى لغة تشبه لغة العارفين. وفي حين لا يمكِّنُهم هذا من الاقتراب من المعارف التجريبية الواضحة المعالم كالطب والهندسة، فإنهم وجدوا في السياسة مجالاً ملائماً يسهل فيه الإفتاء بغير جهد.
يزيد في تيسير المهمة، ويزيد من خطرها أيضاً، وفرة عبارات مقولبة، أو متلازمات لغوية، موروثة من الناصرية و«البعث» وكتاباتِ حقبة التحرر من الاستعمار. اقترنت هذه المتلازمات اللغوية في أذن السامع وعين القارئ بصوت المثقف السياسي. يكفيك أن تحشر عبارات، مثل: «البعد الاستراتيجي» أو «الأمن القومي الإقليمي»، لكي تبدو عارفاً بالسياسة جديراً بقيادة الرأي فيها.
وهناك فئة أخرى من المتلازمات اللغوية السياسية ربطت نفسها بالوطني الصالح، مثل «العدو الاستراتيجي» و«القضية المركزية».
المشكلة الأولى في هذه المتلازمات اللغوية أنها استعلت على الاختبار المنطقي؛ فلم تعد مجرد ألفاظ دلالية على اتجاه سياسي، بل صارت حبلى بالحق والصواب، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. التكرار، وبدل أن يكون عيباً في أصالتها، أكسبها ألفة، وحولها إلى خط معياري.
حول هذا المحور توافرت عناصر النجومية الجديدة. شخص يقرأ ويكتب، لديه مساحة للنشر، يكرر عبارات جاهزة، وجمهور تربى على العبارات نفسها حتى ألفها، والصوت يساوي صوتاً بغض النظر عن قيمة المكتوب. فازدهر «الكيتش السياسي»، أي المضمون السيئ المعدوم الأصالة، ولكن المغلف بنوستالجيا الأغاني السياسية.
وحُرِمت الكتابة السياسية من نمطها الخاص من الثراء اللغوي، المعبّر بدقة عن التفكير المنطقي، وعن التعامل مع أفق شاسع من التباديل والتوافيق والتفاصيل، وفن تقديم الحُجَّة. لماذا يرهق أحدهم نفسه وبإمكانه أن ينهي منشوره باتهام جزافي للمتحررين من المتلازمات اللغوية؟!
المشكلة الأكبر، عملياً، أن المتلازمات اللغوية تعيد إنتاج التجارب، وتروج الفاشل منها بألفة الصياغة. عبارة مثل «العمل العربي المشترك» تبدو في الظاهر غرضاً نبيلاً، ولأنها مألوفة لن تفكر فيها. لكنها في التفاصيل مرتبطة بتجارب وحدوية مأساوية، واستُخدِمَت مسوّغاً للتدخل في اختيارات الدول الوطنية المستقلة وتعطيلها. كما أن الواقع لا يدعمها، فالتعاون الواقعي المثمر في ظروفنا الإقليمية كان دائماً ثنائياً أو ثلاثياً ملتئماً حول مصالح ملموسة. لا يجب أن يكون كل تعاون تكتلاً، ولا أن يكون كل تنسيق حلفاً. هذه متلازمات لغوية تصنع مبالغات، والمبالغات تخلق سقف توقعات وهمياً ثم إحباطاً.
وهذه في حد ذاتها مشكلة تعيق الإنجاز في حدود الممكن؛ إذ الأحلام المستحيلة بوابة للهروب من المهام الضرورية.
والمتلازمات اللغوية بهذه الحدية، والتراوح بين المستحيل والإحباط، ترسخ ذهنية تنس الطاولة. إن لم يكن «عداء استراتيجياً» فسيكون «خيانة وتماهياً في العدو». لا يوجد في المنتصف ظلال من العلاقات العادية، أو الخلافات التي يمكن تجاوزها، أو تضارب المصالح الذي يجري التفاوض حوله للوصول إلى تفاهمات.
اللغة بوجه عام مملوءة بهذه التركيبات والقوالب، مثل «الحزن العميق» و«الألم المرير» و«الحب الجارف» و«الغضب العارم». يحذرونك في الأدب أن تنجَرَّ بحكم التعود اللفظي إلى نعوت لم تقصدها. لكن انتقال ظاهرة القوالب اللغوية الجاهزة إلى السياسة أخطر لأنها تغير مصائر ملايين.
