4 أيام من المفاوضات في الاجتماع الوزاري لـ«منظمة التجارة العالمية»، لم تستطع خلالها الوفود التوصل إلى اتفاق على إصلاحات هيكلية، ولا حتى على تمديد لآلية قائمة منذ 28 عاماً تمنع فرض الرسوم على التجارة الرقمية... هذا هو شكل «منظمة التجارة العالمية» في اجتماعها الوزاري الأخير بالكاميرون، الذي زاد الغائبون فيه عن الحاضرين؛ مما دفع بالممثل التجاري الأميركي إلى التعبير عن استيائه من ضعف مشاركة وزراء التجارة رغم تأكيدهم المستمر أن «المنظمة» تقع في صميم النظام التجاري العالمي. ولكن؛ هل يحق للجانب الأميركي التذمر من تجاهل بعض الدول هذا الاجتماع؟
الواقع أن الولايات المتحدة، التي قادت الجهود لبناء النظام التجاري الحالي، هي التي تقود اليوم التشكيك فيه... فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت أميركا إلى بناء نظام تجاري قائم على خفض الحواجز، ووضع قواعد مشتركة فيه، بدءاً من «الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (غات)»، وصولاً إلى تأسيس «منظمة التجارة العالمية» بصيغتها الحديثة والحالية. ولم تكن القواعد هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة لضبط التنافس واحتواء التوترات. وهذه القواعد، رغم طابعها المؤسسي، لم تكن يوماً مطلقة، بل اتسمت السياسة الأميركية بالبراغماتية، فاستخدمت الإدارات الأميركية الرسوم الجمركية، والاتفاقيات القطاعية، وأدوات التفاوض، لمعالجة الاختلالات، أي إن النظام كان قائماً على مزيج من القواعد والمرونة، لا على التقيّد الصارم بنصوص جامدة.
جاء التحول في تسعينات القرن الماضي، في ظل إجماع اقتصادي عالمي، حين سادت قناعة بأن تحريرَ الأسواق، وتقليلَ دور الدولة، ووضعَ قواعد موحدة، هي أسسٌ ستحقق مكاسب مشتركة للجميع. واستفادت الولايات المتحدة من موقعها المهيمن - بعد أن أصبحت القوة العظمى الوحيدة - بأن تقود العالم نحو تبني هذا النموذج. وبالتأكيد؛ فإن العالم اختلف اليوم، واختفى ذلك الإجماع، وبدأت الأسس الفكرية للنظام تتآكل مع ظهور موجات سياسية تعارضها في جميع أرجاء العالم.
وفي الاجتماع الوزاري الأخير، حذّر وزير التجارة الصيني بأن غياب قواعد «المنظمة» سيعيد العالم إلى «شريعة الغاب» حيث يفرض القوي إرادته على الضعيف. هذا الخطاب المسؤول في ظاهره، الذي يبدو مدافعاً عن النظام متعدد الأطراف، يتجاهل حقيقة أن الصين نفسها هي أحد أسباب اختلال التوازن داخل النظام؛ فالفائض التجاري الصيني، الذي يربو على تريليون دولار، يعكس قدرة إنتاجية هائلة مدعومة بسياسات صناعية نشطة، لا يقع كثير منها ضمن نطاق قواعد «المنظمة». وتشير تحليلات «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» إلى أن مستويات الدعم في الصين تفوق نظيراتها في الدول المتقدمة بما بين 3 و9 مرات؛ مما جعلها محوراً دائماً للنقاش داخل «المنظمة».
إذن نحن الآن أمام تحذير صيني، وتذمر أميركي، من ضعف «المنظمة»، فمن المستفيد إذن؟ المستفيد من هذا الضعف هو القوى الكبرى التي تشتكي منه؛ تحديداً الصين والولايات المتحدة، بما تمتلكانه من أدوات اقتصادية وسياسية قادرة على التكيف والعمل خارج الأطر متعددة الأطراف، ونفوذ ومصالح مشتركة مع دول متعددة، بينما تجد الدول الصغرى نفسَها أكثر عرضة للتقلبات، في غياب قواعد تحميها. ولذلك؛ فإن الإدارة الأميركية لم تعد ترى في «المنظمة» إطاراً ملزماً يجب الحفاظ عليه، بل على العكس، فهي تَحُدّ من قدرتها على المناورة؛ ولذا جاء الاتجاه نحو الرسوم الجمركية والضغوط الثنائية، والعمل خارج إطار «المنظمة»، بما في ذلك وضع ترتيبات تجارية مع دول متقاربة في التوجه. أما الصين، فقد استفادت من «المنظمة» بما فيه الكفاية خلال الربع الماضي من القرن، بشكل مكّنها من مد أذرعها التجارية إلى معظم دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة نفسها، وحتى مع انخفاض صادراتها لأميركا بنحو 30 في المائة، فإنها استطاعت تحويل هذه الصادرات إلى دول آسيوية، وهذا مؤشر جليّ على مرونتها التجارية ونفوذها الدولي.
إن وضعَ «المنظمة» يعكس انتقالاً من منطق «القواعد المشتركة» إلى منطق «توازن القوة»، فبدلاً من السعي نحو تكافؤ الفرص، تسعى الدول الكبرى نحو ترجيح كفة مصالحها، خصوصاً في ظل تصاعد المنافسة الاستراتيجية بقطاعات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الخضراء.
وفي هذا السياق، تصبح «المنظمة» أضعف قدرة على لعب دور الوسيط، وأكبر عرضة للتهميش؛ ففي القطاعات الحساسة تميل الدول إلى فتح حوار مباشر فيما بينها، أكبر من النقاش تحت سقف منظمة محكومة بقواعد صارمة، والنتيجة المباشرة لذلك ليست فقط تعثر المفاوضات في الاجتماع الوزاري، بل إعادة تشكيل النظام التجاري نفسه. ولا تبدو إعادة تشكيل «المنظمة» خياراً واقعياً، بل بدت «المنظمة»، عبر اجتماعها الأخير، التزاماً ثقيلَ الظل، يحاول الجميع التنصّل منه.
